ذلك يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول ، ووصلت الأسرى والرؤوس من القتلى والعدد إلى البلد المحروس ، في يوم الاثنين تاليه ، وأطيف بهم البلد ، وقد اجتمع لمشاهدتهم الخلق الكثير ، والجم الغفير ، وكان يوما مشهودا مستحسنا ، سرت به قلوب المؤمنين ، وأحزاب المسلمين ، وكان ذلك من الله تعالى ذكره وجل اسمه ، مكافأة على ما كان من بغي المشركين ، وإقدامهم على نكث أيمان المهادنة مع المولى نور الدين ، أعز الله نصره ، ونقض عهود الموادعة ، وإغارتهم على الجشارات ومواشي الجلابين والفلاحين المضطرين إلى المرعى في الشعراء ، لسكونهم إلى الأمن بالمهادنة ، والاغترار بتأكيد الموادعة ، وكان قد أنفذ المولى نور الدين إلى بعلبك جماعة من أسرى المشركين ، فأمر بضرب أعناقهم صبرا (ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ)(١)(وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(٢).
وتبع هذا الفتح المبين ، ورود البشرى الثانية من أسد الدين ، باجتماع العدد الكثير إليه من شجعان التركمان ، وأنه قد ظفر من المشركين بسرية وافرة ، ظهرت من معاقلهم من ناحية الشمال ، فانهزمت ، وتخطف التركمان منهم من ظفروا به ، ووصل أسد الدين إلى بعلبك في العسكر (١٨٤ ظ) من مقدمي التركمان وأبطالهم للجهاد في أعداء الله المشركين ، وهم في العدد الكثير ، والجم الغفير ، واجتمع بالملك العادل نور الدين في يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول ، من السنة ، وتقررت الحال على قصد بلاد المشركين لتدويخها ، وإقامة فرض الغزو والجهاد لمن بها ، والابتداء بالنزول على بانياس ، والمضايقة لها ، والجهاد في افتتاحها ، والله يسهل ذلك بلطفه ويعجله بمعونته.
ووصل نور الدين إلى البلد المحروس في يوم الخميس السابع
__________________
(١) القرآن الكريم ـ المائدة : ٣٣.
(٢) القرآن الكريم ـ الشعراء : ٢٢٧.
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)