وأمرناه أن يعم رعاياه القارة والمارة بالأمن العائد عليهم بسكون الجأش ، وسعة المعاش ، ويحوطهم في متوجهاتهم ومتصرفاتهم ، حياطة تكنفهم من جميع جهاتهم ، ويحمي نفوسهم وذراريهم وأموالهم ، ومعائشهم ، حماية ترد كيد الظالم ، وتقبض يد الغارم ، وتخرج ذوي الريب من مظانهم ، وتحول بينهم وبين عدوانهم ، وتجري حكم الله فيهم ، وتقيم حده على من سفك فيهم دما ، وانتهك محرما ، أو أظهر شقاقا وعنادا ، أو سعى في الأرض فسادا ، قال الله تعالى : (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ) (١٠٨ و) (خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ)(١).
وأمرناه أن ينظر في أحوال الرعايا أتم نظر وأوفاه ، ويسأل عن ظلاماتهم أبلغ سؤال وأحفاه ، ويستن بالسنة العادلة فيهم ، ويمنع أقوياءهم عن تهضم مستضعفيهم ، ويحمل من تحت يده على التعادل والتناصف ، ويصدهم عن التغاضب والتظالم ، ويقر الحقوق مقارها ، عند وضوح الحجة ، وارتفاع الشبهة ، ويختار لهم من العمال والولاة أسدهم طرائق ، وأقومهم مذاهب ، وأحمدهم خلائق ، ويأمر كلا منهم أن لا يغير عليهم رسما ، ولا يتوي (٢) لهم حقا ، ولا يسومهم في معاملاتهم خسفا ، ولا يحدث عليهم من يدع الجور رسما ، ولا يرتكب منهم ظلما ، ولا يأخذ منهم برا بأثيم ، ولا بريئا بسقيم ، ويقنع منهم في إخراجاتهم ومقاساتهم وقسوطهم ومقاطعاتهم بالحقوق المستمرة ، ويحملهم في العدل على القواعد المستقرة ، ويستقرىء آثار الولاة قبله ، فما طاب منها ، وحسن اقتفاؤه اقتفره (٣) ، وما ذم منها واستنكره أماطه وغيره.
ويعتقد أنه مسؤول عما اكتسب واجترح ، ومحاسب على ما أفسد
__________________
(١) القرآن الكريم ـ المائدة : ٣٣.
(٢) أي لا يضيع ولا يهلك. النهاية الابن الأثير.
(٣) أي تتبع أثره ـ النهاية لابن الأثير.
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)