الأمراء والمقدمين ، وامتنعوا عن الإهمال لأمره ، ونهضوا إليه ، فلما عرف الحال قطع الأنهار ، ووصل في جمعه حتى صار بإزائهم ، وحمل بعض الفريقين على بعض ، ونشبت الحرب بينهم ، وكان منزل صدقة بن مزيد كثير الوحل عسر المجال ، فترجل الأتراك عن خيلهم ، [وجثوا على ركبهم](١) وحبوا عليها ، وأطلقوا السهام ، وشهروا الصفاح ، وشرعوا الرماح ، وفعل مثل ذلك أصحاب صدقة ، والتقى الجيشان ، ونظر صدقة إلى أصحابه والسهام قد شكت خيولهم ، وقد أشرفوا على الهلاك ، وظن الأتراك أنهم قد انهزموا ، فركبوا أكتافهم رشقا بالسهام ، وضربا بالسيوف ، وطعنا بالرماح ، فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وقتل الأمير صدقة ابن مزيد في الجملة ، ووجوه رجاله ، ولم يفلت منهم إلا اليسير ممن حماه الأجل ، واستطار قلبه الخوف والوجل ، وكان السلطان قد اعتمد في تدبير الجيش وترتيب الحرب على الأمير مودود المستشهد بيد الباطنية في جامع دمشق (٢) ووصل السلطان غد يوم الوقعة ونزل الحلة.
ولم يكن للعرب صدقة مثله في البيت والتقدم ، وإحسان السيرة فيهم ، والانصاف لهم ، والإنعام عليهم ، وكرم النفس ، وجزيل العطاء ، وحسن الوفاء ، والصفح عن الجرائر ، والتجاوز عن الجرائم والكبائر ، والتعفف عن أموال الرعية ، وإحسان النية للعسكرية ، غير أنه كان مع هذه الخلال الجميلة والمآثر الحميدة ، مطرحا لفرائض الشريعة ، متغافلا عن ارتكاب المحارم الشنيعة ، مستحسنا لسب الصحابة رضياللهعنهم ، فكان ما نزل به عليه عاقبة هذه الأفعال الذميمة ، (وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)(٣).
وتوجه السلطان بعد تقرير أمر الحلة عائدا إلى أصفهان (٨٧ و) في أوائل شوال من السنة ، وقد قرر مع الأمير مودود والعسكر قصد
__________________
(١) زيد ما بين الحاصرتين من مرآة الزمان.
(٢) سيأتي خبر ذلك. انظر الدعوة الاسماعيلية الجديدة : ١١٩.
(٣) القرآن الكريم ـ الأنعام : ١٣٢.
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)