وفي هذا الوقت وصلت مراكب الأفرنج في البحر ، تقدير أربعين مركبا ، ووردت الأخبار بأن البحر هاج بها ، واختلفت أرياحه عليها ، فعطب أكثرها ، ولم يسلم منها إلا القليل ، وكانت مشحنة بالرجال والمال.
سنة ست وتسعين وأربعمائة
(٧٧ و) فيها برز الملك شمس الملوك دقاق وظهير الدين أتابك من دمشق ، في العسكر ، وقصد الرحبة ، ونزل عليها ، وضايق من بها ، وقطع أسباب الميرة عنها ، وأصرّ بالمضايقة إلى أن اضطر المقيم بها إلى طلب الأمان له ولأهل البلد ، فأمنوا ، وسلمت إليه بعد القتال الشديد ، والحرب المتصلة في جمادى الآخرة منها ، ورتب أمرها ، وندب من رآه من الثقات لحفظها ، وقرر أحوال من بها ، ورحل عنها في يوم الجمعة الثاني والعشرين منها ، منكفئا إلى دمشق.
وفيها ورد الخبر من حمص ، بأن صاحبها الأمير جناح الدولة حسين أتابك ، نزل من القلعة إلى الجامع ، لصلاة الجمعة وحوله خواص أصحابه بالسلاح التام ، فلما حصل بموضع مصلاه على رسمه ، وثب عليه ثلاثة نفر عجم من الباطنية ومعهم شيخ ، يدعون له ويستميحونه ، في زي الزهاد ، فوعدهم ، فضربوه (١) بسكاكينهم ، وقتلوه وقتلوا معه جماعة من أصحابه ، وكان في الجامع عشرة نفر من متصوفة العجم وغيرهم ، فاتهموا ، وقتلوا صبرا مظلومين في الوقت عن آخرهم.
وانزعج أهل حمص لهذا الحادث وأجفلوا في الحال ، وهرب أكثر سكانها من الأتراك إلى دمشق ، واضطربت الأحوال بها ، وراسلوا الملك شمس الملوك بدمشق يلتمسون إنفاذ من يتسلم حمص ، ويعتمد عليه في حمايتها ، والذب عنها قبل انتهاء الخبر إلى الافرنج ، وامتداد أطماعهم
__________________
(١) في ترجمة جناح الدولة حسين لابن العديم جاء «وكان قتله .... بتدبير الحكيم أبي الفتح المنجم الباطني ، ورفيقه أبي طاهر ، وقيل كان ذلك بأمر رضوان ورضاه». مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية : ٣٧٨.
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)