وفيها وردت الأخبار من مصر بغلاء الأسعار فيها ، وقلة الأقوات في أعمالها واشتداد الحال في ذلك ، واضطرارهم إلى أكل الميتة ، وأكل الناس بعضهم بعضا من شدة الجوع ، وقتل من يظفر به ، وأخذ ماله واستغراق حاله ، ومن سلم هلك ، واحتاج الأمير والوزير والكبير إلى المسألة.
__________________
وحاربوه ، وساعدهم حصن الدولة ابن منزو ، وراسلهم مسمار بن سنان الكلبي ، وراسلوه وحالفوه ، وجاءت عرب مسمار ، فأغارت على قصر السلطنة بدمشق بظاهرها ، وعادوا لبدر الجمالي وراوحوه ، فأنفذ ثقله وأهله إلى صيدا ، ومضى خلفهم إليها ، وجمع ابن منزو عسكره وعسكر دمشق لقصذ بدر ، فلما عرف ذلك رحل إلى صور وحاصرها ، ومتوليها القاضي الناصح ، ثقة الثقات ، عين الدولة أبو الحسن محمد بن عبد الله ابن أبي عقيل ، فحاصرها أياما وقرب منه ابن منزو ، وسار إلى عكا ، وأقام أياما دخل فيها بزوجته بنت رقطاش التركي ، ومضى إلى عسقلان [ثم عاد إلى دمشق] وجاء الشريف ابن أبي الجن من مصر إلى دمشق ، وكان أهلها هدموا قصر السلطنة ودرسوه ، وكان عظيما يسع ألوفا من الناس ، وأقام على دمشق سبعة وعشرين يوما ، ومعه حازم وحميد ابنا الجراح اللذان اتفقا مع الشريف على الفتك ببدر ، وكان حميد قد طمع من بدر في مثل ما فعله مع حازم ، ولما عجز بدر عن دمشق عاد إلى عكا لأن الشريف والعساكر دفعوا عنها ، ولما رحل عن دمشق ، اختلف العسكر وأحداث البلد ، فنهب العسكر بعض البلد ، ونادوا بشعار بدر الجمالي ، واستدعوا منه صاحبا يكون عندهم فأنفذ إليهم رجلا يعرف بالقطيان في جماعة من أصحابه ، فدخل دمشق وهرب الشريف ابن أبي الجن وولدا ابن منزو ، وكان أبوهما قد مات على صور في هذه السنة ، فنزل ابنا منزو على الكلبيين ، وسار الشريف طالبا مصر ، فاجتاز بعمان البلقاء ، وبها بدر بن حازم صاحبها ، فقبض على الشريف وباعه من بدر الجمالي باثني ألف دينار ، فقتله أمير الجيوش بعكا خنقا.
وبعث بدر الجمالي إلى دمشق علويا يعرف بابن أبي شوية من أهل قيسارية وأمره بمصادرة الشريف أبي الفضل بن أبي الجن أخي المقتول ، وجماعة من مقدمي دمشق ، وعلم أهل دمشق ، فثاروا على ابن أبي شوية وأخرجوه ، ولعنوا أمير الجيوش ووافقهم العسكر ، وبعثوا إلى مسمار بن سنان ، وحازم بن نبهان ابن القرمطي (*) أمير بني كلب ، وبذلوا إليهما تسليم البلد فبعث إليهم مسمار يقول : لا يمكنني الدخول إلى البلد وتملكه والعسكر جميعه فيه والمغاربة والمشارقة ويجب أن تخالفوا بينهم وتخرجوا المشارقة ، ففعلوا وصاروا أحزابا ، وكان القتال في غربي الجامع ورمى المشارقة وأهل البلد بالنشاب من دار قريبة من الجامع ، فضربت الدار بالنار فاحترقت ، وثارت النار منها إلى الجامع فأحرقته ليلة نصف شعبان هذه السنة ، ولما رأى العوام ذلك تركوا القتال وقصدوا الجامع طمعا في تلافيه ليتداركوا ما حدث فيه ، ففات الأمر فرموا سلاحهم ، ولطموا واستغاثوا إلى الله تعالى وتضرعوا ، وقالوا : كم نحلف ونكذب ونعد ونحنث ، ونعاهد وننكث ، والنار تعمل إلى الصباح ، فأصبح الجامع ، ولم يبق منه إلا حيطانه الأربعة ، وصاروا أيام الجماعات يصلون فيه على التلال ، وهم يبكون ، وانهزموا بعد ذلك ،
ـ (*) كان بنو القرمطي من أسر الزعامة الكلبية ، وليس هناك علاقة واضحة بين هذه التسمية وجماعات القرامطة.
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)