في الجملة ، إلا أن شهرته أكثر من علمه ، وله إنصاف وافر. يستفيد ولو ممن هو أدنى منه. وبالجملة هو عالم فاضل ناسك كامل ، يسلك مسالك العلماء السلف ، لا دعوى ولا أنانية ، إلا أنه لما كان أهل دمشق يبالغون فيه إلى حد الإغراق ، يرى علمه أقل مما ذكروا ، نعم لولا مبالغتهم لرآه الرائي عالما فاضلا نحريرا (١٣٤ ب). ورأيت درس الشيخ (أحمد) (١) المنيني (٢) ، فرأيته كالأول ، بيده كراس القسطلاني (٣) ويمليه من غير تقرير ولا تحرير ، لكنه ملك من الدنيا شيئا كثيرا ، مدخوله كل يوم ألف عثماني ، وكذا الشيخ الأول ، له دنيا واسعة ومال كثير ، ولا أحد من الطلبة أو من الغرباء رأى بيوتهم ، أو أكل منهم ، ولو أتتهم الصدقات والزكوات أخذوها ، ولهم طريقة يحافظون على أنفسهم لئلا يظهر جهلهم ، وهي أنهم لا يؤالفون الغرباء ولا يخالطونهم ولا يلائمونهم ، غلاظ شداد جفاة أجلاف ، لا يسلمون لأحد ، حتى هو يسلم لهم جميع الفضائل ، فيسلّمون له بعضها ، لكن هؤلاء الطبقة العليا منهم. وأما الوسطى فهم أهل تحقيق وتدقيق وملاءمة وسخاء وحسن أخلاق ورقة جانب ، يطلبون الفائدة ويوقرون العالم ويحترمونه ويأخذون عنه ، لكن لما غلب شهرة هؤلاء يرى الرائي بادي الرأي أنهم كلهم كذلك ، فوا أسفا على علمائنا وصلحائنا! فو الله إن جهالنا أفضل منهم ، وفسّاقنا أصلح من مشايخهم ، ولهم هذه الثروة وهذا المال ، وعلماؤنا مع تحقيقهم وفضلهم وصلاحهم (١٣٥ أ) لا يستطيعون ادخار درهم.
__________________
(١) ليست في ب.
(٢) هو أحمد بن علي بن عمر الطرابلسي الأصل ، ولد في قرية (منين) سنة ١٠٨٩ ه / ١٦٧٨ م ، ونشأ في دمشق ، حيث تضلع من الأدب وقرأ المقدمات في اللغة وروى الحديث عن والده ، ثم أكمل دراسته على أيدي كبار علماء دمشق ، وأخذ الطريقتين النقشبندية والقادرية ، ونظم شعرا كثيرا ، وله مؤلفات مهمة منها (الإعلام بفضائل الشام) و (الفتح الوهبي في شرح تاريخ أبي نصر العتبي) واهمها شرحه على البخاري المسمى (إضاءة الدراري في شرح صحيح البخاري) ، توفي سنة ١١٧٢ ه / ١٧٥٩ م. المرادي : سلك الدرر ج ١ ص ١٣٣ والبغدادي : هدية العارفين ج ١ ص ١٧٥ وكحالة : معجم المؤلفين ج ٢ ص ١٥.
(٣) ينسب إلى (قسطلينة) بالمغرب عدد من العلماء المصنفين ، ولم نعلم أيهم أراد.
