إذا خرج إلى الصلاة يضع على عاتقه سجادة ، ولا ترضى نفسه بأن يصلي على حصر المسجد ، ومنهم من يلازم بيته لتزوره العوام وأهل الدنيا ، وإذا وقع بأيديهم شىء ولو من مال المكس والظلم أخذوه وبلعوه. وأكثرهم جمع من الدنيا ما لا يوصف ، أعاذنا الله من أفعالهم ، وجانبنا ردىء أحوالهم آمين.
وأما علماؤهم (١) ، فهم لا تحقيق عندهم ولا إتقان ، حضرت درس الشيخ إسماعيل العجلوني (٢) ، مرات ، وحوله جماعة من طلبته ، كل واحد على رأسه عمّة كالفلك الأطلس ، وهو يقرئ البخاري ، وبيده شرحه الذي جمعه من عدة شروح ، مجرد نقول لا محاكمة فيه ولا تحرير معنى ، ولا (١٣٤ أ) ضبط مبنى ، بل إنّه ينقل عبارة بعض الشروح ثم يعقبها بعبارة شرح آخر ، ويكون بين العبارتين مخالفة ، فما يرجح أحد القولين على الآخر ، ولا يجمع بينهما ، وتارة تكون العبارتان متفقتين فينقلهما فتؤول إلى التطويل من غير فائدة. ورأيت المملي يقرأ حديث البخاري قراءة خفيفة بهمهمة ودمدمة بحيث لا يسمع إلا نفسه ، فيشرع الشيخ بقراءة الشرح من غير تقرير ولا تحرير ، ولا حل إشكال ولا فلّ تركيب. وكنت اسمع عن أهل دمشق مدحه كثيرا بحيث إنهم يبالغون فيه غاية المبالغة ، وهذه عادتهم مع علمائهم وصلحائهم يبالغون فيهم عكس بلادنا ، فو الله إن أدنى طالب في بلادنا أفضل منهم ، لكن هذا الشيخ أفضلهم على الإطلاق ، وأصلحهم وأكملهم ، له علم وتحقيق
__________________
(١) في ب (كثيرون) ، وقد شطب عليها في أ، وهي تخرج على السياق.
(٢) هو إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي بن عبد الغني المعروف بالجراحي العجلوني ، ولد في بلدة (عجلون) سنة ١٠٨٧ ه / ١٦٧٦ م ، ونشأ بدمشق حيث أخذ العلم على كبار علمائها ، ثم اختير مدرسا في الجامع الأموي ولبث كذلك حتى وفاته سنة ١١٦٢ ه / ١٧٤٩ م. ترجم له المرادي (سلك الدرر ج ١ ص ٢٥٩) ونوه بكثرة طلبته فقال ولزمه جماعة كثيرون لا يحصون عددا. وله مؤلفات منها (الفوائد الدراري بترجمة الإمام البخاري) و (إضاءة البدرين في ترجمة الشيخين) و (عقد الجوهر الثمين بشرح الحديث المسلسل بالدمشقيين) ، وأهم مؤلفاته شرحه على البخاري المسمى (الفيض الجاري بشرح صحيح البخاري) ولم يكمله. وقال المرادي «لو كمل هذا الشرح لكان من نتائج الدهر».
