بإرسال المثل ، وذاته أجدر بالتأديب والتهذيب في القول والعمل ، وعلى آله وأصحابه الذين قوّى للتشريع بهم الاحتباك (١) ، وانتظموا في سلك حسن الاتباع بلا استثناء ولا استدراك. أما بعد ، فإني وقفت على هذه البديعية وشرحها وقوف ذي انتقاد ، ثم التفتّ إليها التفات مستدر نقّاد ، وكررت إليها المراجعة وثنّيت عنان التوجيه بلا موادعة ، وطابقتها مع أمثالها مطابقة (٩٤ ب) القذة بالقذّة (٢) على الترتيب ، وقايستها مع نظائرها ، مقايسة تحديد لا تقريب ، فألفيتها في حسن الانسجام جلّت عن المقابلة ، وفي سلامة الاختراع عظمت عن المزاوجة والمشاكلة ، قد جانس مبناها المعنى فكان الجناس التام ، وأعجزت من بعدها فكانت لعقد رسائل البلاغة ختام. ولعمري ـ ولا مبالغة في ذلك ولا غلو ولا إغراق ـ أنها في تلخيص البيان وإيضاح المعاني من بنات الحقاق (٣) ، أقامت مبانيها دلائل الإعجاز ، وفضّت معانيها بأسرار البلاغة من غير مجاز ، فإذا كان الواجب على ما تقرر ، أن أنشد فيها من الارتجال ما حضر (٤) :
|
عقود من لجين أم نضار |
|
ودر ما رأينا أم دراري |
|
نعم! ذي درة الغواص باهت |
|
على كيوان تسمو بالفخار |
|
قضت أن لا يدانيها نظام |
|
وأن لا يزدهيها (٥) من مبار |
|
أرتني من بديع النظم وشيا |
|
فأنّى للبديع بأن يجارى |
|
شذاها يخلب الألباب طيبا |
|
فأزرى بالحميا والعقار |
(٩٥ أ)
|
لقد رقّت مبانيها وراقت |
|
معانيها وجلّت عن عوار |
|
تنادي من يناديها بنصح |
|
حذار اليوم من فتكي حذار |
__________________
(١) حبك : أحكم وشد ، والاحتباك : الإحكام
(٢) القذة : ريش السهم.
(٣) الحقة ، وجمعها حقاق : المرأة.
(٤) ديوان عبد الله السويدي ص ٣٢
(٥) في الديوان (يزدريها).
