فيه ثلاث نونات ، فحذفوا استثقالا ، ونون الرفع هي المحذوفة. ثم قال : «وقد حذفوها فيما هو أشد من ذا. بلغنا أن بعض القراء قرأ : (أَتُحاجُّونِّي)(١) بنون واحدة وكان يقرأ : (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ)(٢) وهي قراءة أهل المدينة وذلك لأنهم استثقلوا التضعيف» (٣).
يريد أنهم استثقلوا الجمع بين النون التي هي علامة الرفع وبين النون التي تكون مع ضمير المتكلم ، فحذفوا إحداهما (٤) ، والمحذوفة التي تكون مع الياء ، لأن النون الأولى علامة ، واثانية ليست بعلامة. فإن قال قائل : فالنون التي هي علامة مبنية على الفتح ، والنون التي مع ياء المتكلم مكسورة ، وهذه النون الباقية مكسورة ، فينبغي أن نجعلها النون التي تستعمل مكسورة ، ولا نجعلها النون التي هي مبنية على الفتح ثم كسرت لمّا حذفت النون التي مع الياء.
قيل له : لا ينكر أن تكسر النون التي هى علامة إذا وقعت بعدها الياء ، وقد رأيناهم فعلوا مثل هذا في قولهم (ليتي) حين اضطروا ، فكسروا تاء (ليت) وهي مبنية على الفتح. وقال عمرو بن معديكرب :
__________________
(١) سورة الأنعام ٦ / ٨٠
(٢) سورة الحجر ١٥ / ٥٤
(٣) أشار القرطبي في تفسير عيون سيبويه ٥٦ / ب إلى الفرق بين التضعيف والإدغام : فالتضعيف هو التكرير ، والإدغام ألين من التضعيف لخفته ، والذي يستثقل إنما هو تضعيف النون ، فيفر منه إلى أحد وجهين : الإدغام أو الحذف ، والذي كره الإدغام كره التقاء الساكنين.
(٤) فصّل في هذا صاحب (الكشف عن وجوه القراءات وحججها وعللها) فأورد حجج من قرأ بالتخفيف ثم قال : «والاختيار تشديد النون لأن الأكثر عليه ، ولأنه أخف من الإظهار ، ولأنه وجه الإعراب». (الكشف ٢١٠ / ب) وهذا يؤيد ما جاء من التفريق بين التضعيف والإدغام وأن الإدغام أخف فيفر إليه.
![شرح أبيات سيبويه [ ج ٢ ] شرح أبيات سيبويه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2244_sharh-abyat-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
