أجسامهم ، من طول القيام وكثرة الصيام ـ مستقلين بذلك في جنب الله ، موفون بعهد الله ، منجزون لوعد الله ، إذا رأوا سهام العدو فوقت ورماحهم قد أشرعت ، وسيوفهم قد انتضيت ، وأبرقت الكتيبة منهم قدما ، حتى تختلف رجلاه عن عنق فرسه ، وقد رمّلت محاسن وجهه بالدماء ـ وعفر جبينه في الثرى ، وأسرعت إليه سباع الأرض فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها من خشية الله ، وكم من كف قد بانت بمعصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده في جوف الليل ، وكم من خد رقيق ، وجبين عتيق قد خلق بعمد الحديد ، رحمة الله على تلك الأبدان ، وأدخل أرواحها الجنان (١)
وخطب في المدينة الناس بعد أن حمد الله وأثنى عليه :
يا أهل المدينة ، سألناكم عن ولاتكم هؤلاء ، فأسأتم لعمر الله فيهم القول ، وسألناكم : هل يقتلون بالظن؟ فقلتم لنا : نعم ، وسألناكم : هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام؟ فقلتم لنا نعم ، فقلنا لكم : تعالوا نحن وأنتم نناشدكم الله إلّا تنحوا عنا وعنكم ، فقلتم : لا يفعلون ، تعالوا نحن وأنتم نقاتلهم ... بمن يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه محمد صلىاللهعليهوسلم : فقلتم : لا نقوى ، فخلوا بيننا وبينهم ، فإن نظفر نعدل في أحكامكم ، ونحملكم على سنة نبيكم صلىاللهعليهوسلم ... (٢).
وقد أرسل له مروان بن محمد الخليفة من دمشق جيشا بقيادة محمد بن عبد الملك السعدي ، حيث دارت الدائرة على أبي حمزة وجيشه في المدينة ومكة وقتل في سنة ١٣٠ ه ومعظم أفراد جيشه وقواده (٣).
وقد ذكر ابن الأثير أن المعركة جرت في وادي القرى ، وأن أبا حمزة ولي المدينة ثلاثة أشهر (٤).
وقد كان عبد العزيز القارىء المدني المعروف بيشكست ، قد انضم إلى أبي حمزة ، وكان على مذهب الخوارج ، وكان قبل ذلك من أهل المدينة يكتم ميله للخوارج ، وقد
__________________
(١) تاريخ خليفة ص ٥٨٤ ، تاريخ الطبري ج ٧ ص ٣٩٤
(٢) تاريخ خليفة ص ٥٩٣ ، تاريخ الطبري ج ٧ ص ٣٩٤.
(٣) تاريخ الطبري ج ٧ ص ٣٩٨ ، تاريخ خليفة ص ٦١٨ ، ٥٩٥ ، اتحاف الورى ج ٢ ص ١٦٣ ، العقد الثمين ج ٥ ص ٥١١ ت ١٨٨٥
(٤) الكامل في التاريخ ج ٥ ص ٣٩٠
