ذكرهما ، فمن يقطن سوسة وقتئذ كان يقصد الرباط لأداء الجمعة والأعياد (١).
وكان رباط سوسة قريب الشبه برباط المنستير (٢) وهو أقدم وأجمل منه من الناحية الهندسية ، وقد إتسع هذا الرباط حتى أصبح على شكل حصن كثير المساكن ، والرباط عبارة عن طابقين يخصص الأول منهما للمسجد وقاعات للدرس والاجتماعات والطعام الذى كان المرابطون وأهل الرباط يتناولونه معهم أحيانا ، ويخصص الثانى للحراسة والعبادة والخلوة ، وفى العادة يتولى الرباط شيخ من أهل التقوى والورع والصلاح وهو الذى يتولى تنظيم وتسيير العبادة أو الحراسة فيه (٣).
__________________
(١) المنستير ميناء يقع بين سوسة والمهدية ، وكانت فى الأصل رباطا أو قصرا يرابط فيه المسلمون لحماية ثغور إفريقية من الغارات البحرية التى كان يقوم بها الروم ، بناه هرثمة بن أعين والى إفريقية من قبل الرشيد فى سنة ١٨٠ ه.
وقد وصف البكرى هذا الرباط فقال «وبالمنستير البيوت والحجر والطواحين ومراجل الماء ، وهو حصن عال البناء متقن العمل وفى الطبقة الثانية منه مسجد لا يخلو من شيخ خير فاضل يكون مدار القوم عليه ، وفيه جماعة من الصالحين والمرابطين قد حبسوا أنفسهم فيه منفردين دون الأهل والعشائر ، وهو قصر كبير عال داخله ربض واسع ، وفى وسط الربض حصن ثانى كبير كثير المساكن ، والمساجد والقصاب العالية طبقات بعضها فوق بعض ، وفى القبلة صحن فسيح من قباب عالية متقنة ينزل حولها النساء المرابطات وله يوم عاشوراء موسم عظيم ومجمع كبير ، وكان أهل القيروان يخرجون إليهم بالأموال والصدقات الجزية ، ويقرب المنستير محارس خمسة متقنة البناء ، ومعمورة بالصالحين. انظر البكرى : المصدر السابق ٣٦ ، وابن الخطيب : المصدر السابق ج ٣ ص ١١.
(٢) د / حسين مؤنس معالم تاريخ المغرب والأندلس ٩٧.
(٣) يبدو أن سبب بناء ابن الأغلب لهذه المدينة يرجع إلى سكان القيروان وبما كانوا يتصفون به من تدين وورع حيث ابدوا سخطهم على الأمير لإقباله على الخمر وانغماسه فى حياة اللهو والملذات ، فاضطر ابن الأغلب لإقامة هذه المدينة للاستمتاع بالحياة بعيدا عن أنظار رعيته فلا يناله شىء من تقريع فقهائهم وانتقادهم لسلوكه ، وربما يكون اتخذها تقليدا للخلفاء الأمويين والعباسيين فى اتخاذهم القصور خارج عواصمهم أو إشباعا ، لرغبته فى الظهور بمظهر العظمة والأبهة ، وقد اشترى الأغلب لهذا أرضا من بنى طالون ، وبنى قصرا للإمارة ، نقل إليه السلاح والعدد سرا ، وأسكن حوله عبيده وفتيانه ومواليه وأهل الثقة من خدمه ، وسمى بالقصر القديم بالنسبة لقصر رقادة الذى بناه إبراهيم بن أحمد سنة ٢٦٤ ه وعرف بالقصر الأبيض ربما لبياض لون جدرانه.
وفى هذه المدينة استقبل الأمير رسل شارلمان إليه سنة ١٨٥ ه عندما قدموا لنقل رفات القديس سان سيبرين.
