وهذا معلوم عند أهلها إما لإساءة ظن أهلها فلا ينتفعون بمن ظهر فيهم أو لأنها كثيرة الملذوذات فقل فيها أهل الفضل من أصحاب الخيرات وإنما يظهر أهل الخير واستمرارهم للنفع في محل ضيق المعيشة كثير المحن قليل الإحسان والامتنان ومواهب الإله وإرادته إنما تكون لمن يستحقها ومن هو أهل لا وليس ذلك إلا للفقراء وقد قال تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها) فما ضاق محل بالمعيشة إلا ظهر فيها الفضل (١) والعناية وقد جرت عادة الله بهذا وما كثر رزق واتسع بمحل إلا كثر فيه الافتخار والتجبر والعناد وقل الصلاح والزهد والعبادة (٢) لأن مخالفة النفس في ملذوذاتها أصل من أصول الطريق لا سيما من لم يجد الوسع أصلا كأرض تهامة أعني مكة وما حاذاها وكذا طيبة أي مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وما قاربها فقد انعدمت فيها المزارع والأجنة وإن كثرت الأرزاق فيها فقد غلا سعرها فلا يصل الإنسان إلى شهوته إلا بعد موته ومشقته إذ ربما لا يصل إليها إلا بعد حتف أنفه وهلكته فكان طريق الآخرة فيها أسهل وسبيل الخيرات أيسر ما توجه الإنسان فيه إلى الله وإلى المقصود الأسنى إلا قلت خطواته ووصل بقرب فيزول الحجاب عن حضرة رب الأرباب في لحظة من الزمان فيكون مجذوبا في ذلك الأوان وقد قيل أن المجذوب يصل في ساعة ما لا يصله العابد والسالك في سبعين سنة.
حاصله أن كثرة المذاق ، توجد للقلب النفاق ، وقلة الأرزاق ، تيسر الطريق إلى الله بالاتفاق ، وذلك معلوم عند أهل الحقائق فقسنطينة لما كثر رزقها واتسع إنفاقها عسر الوصول فيها إلى الله لقلة المساعد ، وكثرة المتكبر المعاند ، وإن وجد فيها الصلاح فمن البله وقلة المعتني بنفسه فيها حتى لا يظهر فيها صالح أصلا وعلى تقدير ظهوره فتسرع فيه المنية لأنه عذاب وهلاك لمن خالف طبعه وأساء ظنه وقد قال صلى الله عليه
__________________
(١) في نسخة فما ضاق بالمعيشة إلا ظهر فيه أهل الفضل.
(٢) في نسخة العباد.
![الرحلة الورثيلانيّة [ ج ٢ ] الرحلة الورثيلانيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2203_alrehlatel-alversilania-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
