فقلت كيف أسمح بإفشاء أسرار أمير المؤمنين فسوف يهلكنى الشيطان ويطيح بى فقال سوف أقتل جعفر وحين نظرت إذا بجعفر آت من بعيد فنهضت ومضيت إليه ودخل هو الحراقة فأجلسه الخليفة بقربه وجرت بينهما أحاديث شتى إلى أن دخل" هارون" إلى بيت" عباسة" وظللت أنا وجعفر جالسين فى الحراقة وقمت بآداب خدمته على نحو ما فعلت مع الخليفة فلما لم يعد هنا شخص بينى وبينه سألنى فيما كنت تخوض فيه أنت وأمير المؤمنين من حديث؟ فقلت : كلفنى بأن أدبر أمر فلان الخارجى فى" خراسان" فقال يا" فضل" والله إنك لتكذب ، لقد كنتما تتحدثان فى شأنى وعنى ولم يكن حديثكما بخير لأنك حين وقعت عينى ، عليك شحب لونك ، فقلت : معإذ الله لما لمولانا من مكانة عند أمير المؤمنين فأنى يكون لى من مكانة حتى يتحدث مولانا معى أو تواتينى جراءة التحدث والقول ، فقال دعنى من ذلك والله لقد كان حديثا عنى ، وكان شرا فخفت من هذا الأمر وقلت لقد هلكت إذا سيعتقد الخليفة أننى قد أذعت سره فجرت عليه حتى مضى إلى بيته وعدت على إثره إلى منزلى وركبت من هناك فى زورق خفية ومضيت إلى قصر" عباسة" وقلت للخادم أن يبلغ أمير المؤمنين أن أمرا هاما قد وقع ويجب أن أنال شرف المقابلة وأن أبلغه إلى مسامعه المباركة ، فقال الخادم : لا أجرؤ على أن أهب فى هذه الساعة إلى حيث يوجد أمير المؤمنين فاصبر ، فقلت له إن لم تذهب إليه الآن فسوف أطيح برأسك بهذا السيف فقال الخادم أوقع أمر جلل إلى هذا الحد؟ فقلت : نعم فمضى إلى الداخل وعرض الأمر ثم عاد وقال اكتب تفصيل ما حدث على رقعة ، فقلت له : ارجع وقل لا تصلح الكتابة ولابد من المشافهة فذهب ثم عاد وقال تعال ، فلما مثلت بين يديه ركعت على وجهى وقلت يا أمير المؤمنين الأمان الأمان (١).
لقد ألقيت بى إلى التهلكة فقال مإذا حدث لك يا فضل؟ قل على وجه السرعة فقلت له ما حدث بينى وبين" جعفر" فقال لاتهتم لهذا الأمر إننى أعلم كياسة وحذق" جعفر" أكثر من هذا لقد كنت معه بالأمس فى البستان ولم يكن معنا ثالث فكنت أتأمل الزهور واحدة واحدة وقد أعجبتنى زهرة وسط البستان أكثر من سائر الزهور ، فمد يده
__________________
(١) ذكر فى شروح الكامل لابن الأثير" لعل الحامل للرشيد على قتل البرامكة هو خوفه من ذهاب ملكه وانتقاله إلى الفرس بسبب مؤامرة مدبرة ضد الرشيد خاصة والعرب عامة ومما يؤيد ذلك ما جاء فى البداية والنهاية وغيره أن الرشيد كان لا يمر ببلد ولا إقليم ولا قرية ولا مزرعة ولا بستان إلا قيل هذا لجعفر ركز عطاءاتهم ومجازاتهم الشعراء والعلماء بالمال الكثير يسجل عليهم أنهم كانوا يريدون أن يستجلبوا حب الناس ورضاهم وجذبهم إليهم ليسلبوا الخليفة العباسى الملك وغير ذلك. المترجم.
(ابن الأثير ـ الكامل فى التاريخ ج ٥ ص ٤١١ هامش).
