صاحب النفقة بالحساب ويستقضي منه العدد المجتمع فيها ، خلا منه المكان ، وأصبح في خبر كان ، وركب الليل جملا. وأصبح الأمير يقلب كفيه ، ويضرب أصدريه ، ولم يمكنه أن يحدث في بناء وضع في حرم الله تعالى حادثا يحيله ، أو نقضا يزيله. وفاز الرجل بثوابه ، وتكفل الله به في انقلابه وتحسين مآبه : (وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(١) وبقي خبر هذا الرجل مع الأمير يتهادى غرابة وعجبا ، ويدعو له كل شارب من ذلك الماء المبارك.
شهر رجب الفرد
عرفنا الله بركته
استهل هلاله ليلة الخميس الموفي عشرين لشهر أكتوبر ، بشهادة خلق كثير من الحجاج المجاورين والأشراف أهل مكة ، ذكروا أنهم رأوه بطريق العمرة ومن جبل قعيقعان وجبل أبي قبيس ، فثبتت شهادتهم بذلك عند الأمير والقاضي ، وأما من المسجد الحرام فلم يبصره أحد.
وهذا الشهر المبارك عند أهل مكة موسم من المواسم المعظمة ، وهو أكبر أعيادهم.
ولم يزالوا على ذلك قديما وحديثا ، يتوارثه خلف عن سلف متصلا ميراث ذلك إلى الجاهلية ، لأنهم كانوا يسمونه منصل الأسنة. وهو أحد الأشهر الحرم ، وكانوا يحرّمون القتال فيه ، وهو شهر الله الأصم (٢) ، كما جاء في الحديث عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم.
والعمرة الرجبية عندهم أخت الوقفة العرفية ، لأنهم يحتفلون لها الاحتفال الذي لم يسمع بمثله ، ويبادر إليها أهل الجهات المتصلة بها ، فيجتمع لها خلق عظيم لا يحصيهم إلا الله عز وجل. فمن لم يشاهدها بمكة لم يشاهد مرأى يستهدي ذكره غرابة وعجبا ،
__________________
(١) سورة سبأ : الآية ٣٩.
(٢) الأصم : لا يسمع فيه مستغيث ولا قرقعة سلاح.
