فبتنا به ، ثم رفعنا منه بعد تهويم ساعة وأسرينا إلى الصباح ، فوصلنا مدينة حران مع طلوع الشمس من يوم الاثنين السابع لربيع المذكور ، والثامن عشر ليونيه ، والحمد لله على تيسيره.
ذكر مدينة حران
كلأها الله
بلد لا حسن لديه ، ولا ظل يتوسط برديه ، قد اشتق من اسمه هواؤه ، فلا يألف البرد ماؤه ، ولا تزال تتقد بلفح الهجير ساحاته وأرجاؤه ، ولا تجد فيه مقيلا ، ولا تتنفس منه إلا نفسا ثقيلا ، قد نبذ بالعراء ، ووضع في وسط الصحراء ، فعدم رونق الحضارة ، وتعرت أعطافه من ملابس النضارة.
أستغفر الله! كفى بهذا البلد شرفا وفضلا أنه البلدة العتيقة المنسوبة لأبينا إبراهيم ، صلى الله عليه وسلم ، وله بقبليها بنحو ثلاثة فراسخ مشهد مبارك فيه عين جارية كان مأوى له ولسارة ، صلوات الله عليهما ، ومتعبدا لهما. ببركة هذه النسبة قد جعل الله هذه البلدة مقرا للصالحين المتزهدين ، ومثابة للسائحين المتبتلين. لقينا من أفرادهم الشيخ أبا البركات حيان بن عبد العزيز ، حذاء مسجده المنسوب إليه. وهو يسكن منه في زاوية بناها في قبلته ، وتتصل بها في آخر الجانب زاوية لابنه عمر قد التزمها وأشبه طريقة أبيه فما ظلم ، وتعرفت منه شنشنة (١) أعرفها من أخزم (٢). فوصلنا إلى الشيخ وهو قد نيف على الثمانين ، فصافحنا ودعا لنا وأمرنا بلقاء ابنه عمر المذكور ، فملنا إليه ولقيناه ، ودعا لنا ، ثم ودعناهما وانصرفنا مسرورين بلقاء رجلين من رجال الآخرة.
ولقينا أيضا بمسجد عتيق الشيخ الزاهد سلمة ، فلقينا رجلا من الزهاد الأفراد فدعا لنا وسألنا ، وودعناه وانصرفنا. وبالبلد سلمة آخر يعرف بالمكشوف الرأس ، لا
__________________
(١) الشنشنة (بكسر الشين) : العادة والخلق والطبيعة.
(٢) هذا القول في العقوق لأبي أخزم الطائي :
إن بني ضرجوني بالدمشنشنة أعرفها من أخزم
