البساتين والكروم وأنواع الأشجار ، وينسرب بإزائها نهر ترف الظلال عليه ، وخطها متسع ، والبساتين قد انتظمته ، وشاهدنا بها من الخنانيص (١) أمثال الغنم كثرة وأنسا بأهلها. ثم وصلنا عشي النهار إلى قرية أخرى تعرف بالجسر ، هي الآن لناس من المعاهدين ، وهم فرقة من فرق الروم ، فكان مبيتنا بها ليلة السبت الخامس لربيع المذكور ، ثم أسحرنا منها ووصلنا مدينة رأس العين قبيل الظهر من يوم السبت المذكور.
ذكر مدينة رأس العين
حرسها الله
هذا الاسم لها من أصدق الصفات ، وموضوعها به أشرف الموضوعات ، وذلك أن الله تعالى فجر أرضها عيونا وأجراها ماء معينا ، فتقسمت مذانب وانسابت جداول تنبسط في مروج خضر ، فكأنها سبائك اللجين ممدودة في بساط الزبرجد ، تحف بها أشجار وبساتين قد انتظمت حافتيها إلى آخر انتهائها من عمارة بطحائها. وأعظم هذه العيون عينان : إحداهما فوق الأخرى ، فالعليا منهما نابعة فوق الأرض في صم الحجارة ، كأنها في جوف غار كبير متسع يبسط الماء فيه حتى يصير كالصهريج العظيم ، ثم يخرج ويسيل نهرا كبيرا كأكبر ما يكون من الأنهار ، وينتهي إلى العين الأخرى ويلتقي بمائها. وهذه العين الثانية عجب من عجائب مخلوقات الله عز وجل ، وذلك أنها نابعة تحت الأرض من الحجر الصلد بنحو أربع قامات أو أزيد ، ويتسع منبعها حتى يصير صهريجا في ذلك العمق ، ويعلو بقوة نبعه حتى يسيل على وجه الأرض. فربما يروم السابح القوي السباحة الشديدة الغوص في أعماق المياه أن يصل بغوصه إلى قعره فيمجه الماء بقوة انبعاثا من منبعه ، فلا يتناهى في غوصه مقدار نصف مسافة العمق أو أقل شيئا ؛ شاهدنا ذلك عيانا. وماؤها أصفى من الزلال وأعذب من السلسبيل ، يشف عما حواه ، فلو طرح الدينار فيه في الليلة الظلماء لما أخفاه ، ويصاد فيها سمك جليل من أطيب ما يكون من السمك.
__________________
(١) الخنانيص (جمع خنوص بتشديد النون) : صغار الخنازير.
