المطايا والهماليج (١) العتاق ، ووراءها ركب من جواريها قد ركبن المطايا والهماليج على السروج المذهبة وعصبن رؤوسهن بالعصائب الذهبيات والنسيم يتلاعب بعذباتهن ، وهن يسرن خلف سيدتهن سير السحاب. ولها الرايات والطبول والبوقات تضرب عند ركوبها وعند نزولها. وأبصرنا من نخوة الملك النّسائيّ واحتفاله رتبة تهز الأرض هزا ، وتسحب أذيال الدنيا عزا. ويحق أن يخدمها العز ، ويكون لها هذا الهز ، فان مسافة مملكة أبيها نحو أربعة الأشهر ، وصاحب القسطنطينية يؤدي إليه الجزية ، وهو من العدل في رعيته على سيرة عجيبة ، ومن موالاة الجهاد على سنة مرضية.
وأعلمنا أحد الحجاج من أهل بلدنا أن في هذا العام الذي هو عام تسعة وسبعين الخالي عنا ، استفتح من بلاد الروم نحو الخمسة والعشرين بلدا ، ولقبه عز الدين ، واسم أبيه مسعود ، وهذا الاسم غلب عليه ، وهو عريق في المملكة عن جدّ فجدّ. ومن شرف خاتون هذه ، واسمها سلجوقة ، أن صلاح الدين استفتح آمد بلد زوجها نور الدين ، وهي من أعظم بلاد الدنيا ، فترك البلد لها كرامة لأبيها وأعطاها المفاتيح ، فبقي ملك زوجها بسببها. وناهيك من هذا الشأن! والملك ملك الحي القيوم ، يؤتي الملك من يشاء لا إله سواه.
فكان مبيتنا تلك الليلة بإحدى قرى بغداد ، نزلناها مضى هدء من الليل ، وبمقربة منها دجيل ، وهو نهر يتفرع من دجلة يسقي تلك القرى كلها. وغدونا من ذلك الموضع ، ضحى يوم الثلاثاء السادس عشر لصفر المذكور ، والقرى متصلة في طريقنا. فاتصل سيرنا إثر صلاة الظهر ، ونزلنا وأقمنا باقي يومنا ليلحق من تأخر من الحجاج ومن تجار الشام والموصل. ثم رحلنا قبيل نصف الليل ، وتمادى سيرنا إلى أن ارتفع النهار ، فنزلنا قائلين ومريحين على دجيل. وأسرينا الليل كله ، فنزلنا مع الصباح بمقربة من قرية تعرف بالحربة ، من أخصب القرى وأفسحها. ورحلنا من ذلك الموضع وأسرينا الليل كله ، ونزلنا مع الصباح من يوم الخميس الثامن عشر لصفر على شط دجلة بمقربة من حصن يعرف بالمعشوق ، ويقال : إنه كان متفرّجا لزبيدة ابنة عم الرشيد وزوجه. وعلى قبالة هذا الموضع في الشط الشرقي مدينة سرّ من رأى ، وهي
__________________
(١) الهماليج (جمع هملاج) : حسنة السير.
