أئمة ، أولهم إمام الفريضة ، وأوسطهم صاحبنا الفقيه الزاهد الورع أبو جعفر بن علي الفنكي القرطبي ، وقراءته ترقّ الجمادات خشوعا. وهذه الفرقعة المذكورة تستعمل في هذا الشهر المبارك ، وذلك أنه يضرب بها ثلاث ضربات عند الفراغ من أذان المغرب ، ومثلها عند الفراغ من أذان العشاء الآخرة. وهي لا محالة من جميلة البدع المحدثة في هذا المسجد المعظم ، قدسه الله.
والمؤذن الزمزمي يتولى التسحير في الصومعة التي في الركن الشرقي من المسجد بسبب قربها من دار الأمير ، فيقوم في وقت السحور فيها داعيا ومذكرا ومحرضا على السحور ومعه أخوان صغيران يجاوبانه ويقاولانه ، وقد نصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة في رأسها عود كالذراع وفي طرفيه بكرتان صغيرتان يرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يقدان مدة التسحير. فإذا قرب تبين خيطي الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرة بعد مرة ، حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ بالأذان ، وثوّب المؤذنون من كل ناحية بالأذان. وفي ديار مكة كلها سطوح مرتفعة ، فمن لم يسمع نداء التسحير ممن يبعد مسكنه من المسجد يبصر القنديلين يقدان في أعلى الصومعة ، فإذا لم يبصرهما علم أن الوقت قد انقطع.
أخو صلاح الدين
وفي ليلة الثلاثاء من الشهر مع العشيّ ، طاف الأمير مكثر بالبيت مودعا ، وخرج للقاء الأمير سيف الإسلام طغتكين بن أيوب ، أخي صلاح الدين ، وقد تقدم الخبر بوروده من مصر منذ مدة ثم تواتر إلى أن صحّ وصوله إلى الينبوع ، وأنه عرج إلى المدينة لزيارة الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، وتقدمت أثقاله إلى الصفراء. والمتحدث به في وجهته قصد اليمن لاختلاف وقع فيها وفتنة حدثت من أمرائها. لكن وقع في نفوس المكيين منه إيجاس ، خيفة واستشعار خشية ، فخرج هذا الأمير المذكور متلقيا ومسلما ، وفي الحقيقة مستسلما ، والله تعالى عرف المسلمين خيرا.
وفي ضحوة يوم الأربعاء الثالث من الشهر المبارك المذكور ، كنا جلوسا بالحجر
