فطاف بالكعبة ، والقراء أمامه ، والمؤذن الزمزمي يغرد في سطح قبة زمزم ، رافعا عقيرته بتهنئته بالموسم والثناء عليه والدعاء له على العادة. فلما فرغ من الطواف ، صلى عند الملتزم ، ثم جاء إلى المقام وصلى خلفه ، وقد أخرج له من الكعبة ووضع في قبته الخشبية التي يصلى خلفها. فلما فرغ من صلاته رفعت له القبة عن المقام ، فاستلمه وتمسح به ، ثم أعيدت القبة عليه ، وأخذ في الخروج على باب الصفا إلى المسعى. وانجفل بين يديه ، فسعى راكبا والقواد مطيفون به ، والرجالة الحرّابة أمامه ، فلما فرغ من السعي استلت السيوف أمامه ، وأحدقت الأشباع به ، وتوجه إلى منزله على هذه الحالة الهائلة مزحوفا به ، وبقي المسعى يومه ذلك يموج بالساعين والساعيات.
فلما كان اليوم الثاني ، وهو يوم الجمعة ، كان طريق العمرة في العمارة قريبا من أمسه ، راكبين وماشين ، رجالا ونساء والماشيات المتأجرات كثير يسابقن الرجال في تلك السبيل المباركة ، تقبل الله من جميعهم بمنه. وفي أثناء ذلك يلاقي الرجال بعضهم بعضا فيتصافحون ويتهادون الدعاء والتغافر بينهم ، والنساء كذلك. والكل منهم قد لبس أفخر ثيابه ، واحتفل احتفال أهل البلاد للأعياد. وأما أهل البلد الأمين فهذا الموسم عيدهم ، له يعبأون وله يحتفلون ، وفي المباهاة فيه يتنافسون وله يعظمون ، وفيه تنفق أسواقهم وصنائعهم ، يقدمون النظر في ذلك والاستعداد له بأشهر.
سراة اليمن والتزود بالمؤن
ومن لطيف صنع الله ، عز وجل ، لهم فيه اعتناء كريم منه سبحانه بحرمه الأمين ، أن قبائل من اليمن تعرف بالسرو ، وهم أهل جبال حصينة باليمن تعرف بالسراة ، كأنها مضافة لسراة الرجال ، على ما أخبرني به فقيه من أهل اليمن يعرف بابن أبي الصيف ، فاشتق الناس لهم هذا الاسم المذكور من اسم بلادهم. وهم قبائل شتى كبجيلة وسواها ، يستعدون للوصول إلى هذه البلدة المباركة ، قبل حلولها بعشرة أيام ، فيجتمعون بين النية في العمرة وميرة البلد بضروب من الأطعمة كالحنطة وسائر الحبوب إلى اللوبياء ، إلى مادونها. ويجلبون السمن والعسل والزبيب واللوز. فتجمع ميرتهم بين الطعام والإدام والفاكهة. ويصلون في آلاف من العدد ، رجالا وجمالا
