باعتبار واحد / ، فيؤدّي إلى أن لا يكون الاستثناء في كلام إلّا وهو كذب من أحد الطرفين ، وهو باطل ، فإنّ القرآن مشتمل عليه ، قال الله تعالى : (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً)(١) فلو عل الألف بكمالها وقد نسب اللّبث إليها لوجب أن يكون اللّبث في جميعها ولم يصحّ بعد هذه النسبة إخراج شيء منها ، ولهذه الشّبهة فرّ القاضي إلى مذهبه المذكور.
والصّواب الذي يجمع بين رفع (٢) الإشكالين أن تقول : لا يحكم بالنسبة إلّا بعد كمال ذكر المفردات في كلام المتكلّم ، فإذا قال المتكلّم : «قال القوم إلّا زيدا» فهم القيام أوّلا بمفرده ، وفهم القوم بمفرده وأنّ فيهم زيدا ، وفهم إخراج زيد منهم بقوله : «إلّا زيدا» ، ثمّ حكم (٣) بنسبة القيام إلى هذا المفرد الذي أخرج منه زيد ، فحصل الجمع بين المسالك المقطوع بها على وجه مستقيم ، وهو أنّ الإخراج حاصل بالنسبة إلى المفردات ، وفيه توفية بإجماع النحويّين ، وتوفية بأنّك (٤) ما نسبت إلّا بعد أن أخرجت زيدا ، فلا يؤدّي إلى المناقضة المذكورة ، فاستقام الأمر في الوجهين جميعا.
وأمّا حدّه ، فمشكل لأنّ الاستثناء يجمع المتّصل والمنقطع ، ولا يتميّز المتّصل إلّا بالإخراج ، ولا إخراج في المنقطع ، وكلّ أمرين فصل أحدهما مفقود في (٥) الآخر يستحيل جمعهما في حدّ واحد ، فالأولى أن يحدّ المتّصل على حدته والمنقطع على حدته ، فنقول في حدّ المتّصل : هو كلّ لفظ أخرج به شيء من شيء بإلّا وأخواتها (٦) ، فإذا ورد قوله تعالى : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)(٧) ، ثمّ قال : «لا تقتلوا أهل الذّمّة» (٨) قلنا : هذا ليس بإخراج ، وإنّما هو تبيين مراد المتكلّم باللّفظ الأوّل ، وكذلك لو قيل :
__________________
(١) العنكبوت : ٢٩ / ١٤.
(٢) في د : «يرفع» مكان «يجمع بين».
(٣) في د : «يحكم».
(٤) في ط : «أنك».
(٥) في د : «مقصود من» ، تحريف.
(٦) حدّ ابن الحاجب المستثنى بقوله : «المستثنى متصل ومنقطع ، فالمتصل هو المخرج من متعدّد لفظا أو تقديرا بإلا وأخواتها ، والمنقطع هو المذكور بعدها غير مخرج» الكافية : ١٠٩. وخالف الرضي ابن الحاجب وذهب إلى أنه يمكن جمع المتصل والمنقطع في حد واحد ، انظر شرح الكافية له : ١ / ٢٢٤ ، وحدهما ابن مالك وأبو حيان بحدّ واحد ، انظر شرح التسهيل لابن مالك : ٢ / ٢٦٤ وارتشاف الضرب : ٢ / ٢٩٤.
(٧) التوبة : ٩ / ٥. والآية : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ).
(٨) ليس هذا قرآنا.
![الإيضاح في شرح المفصّل [ ج ١ ] الإيضاح في شرح المفصّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2183_alezah-fi-sharh-almofassal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)