ثمّ قال : «ومنه» مشيرا إلى النوع الأصليّ ، وفصله من نوعه لأنّه يعرف بضابط يجري عليه ما لا يسمع من مفرداته ، وهو قوله : «ما أنت إلّا سيرا سيرا» (١) ، واستغنى بالتمثيل ، وأتى فيه بما يوهم أنّه من الضابط ، وليس بمشترط ، وهو تكرار «سيرا سيرا» ، فإنّه قد يسبق إلى الذّهن أنّ التكرار قام مقام ذكر الفعل ، كما هو ثابت باتّفاق في مثل : «زيد سيرا سيرا» (٢) ، وقولك : «الطريق الطريق» ، وقد نقل الثقات أنّ العرب تقول : «ما أنت إلّا سيرا» (٣) ، من غير تكرار ، كما تقوله مكرّرا في أنّهم لا يظهرون الفعل أبدا.
فإن قلت : يندفع هذا الوهم بقوله (٤) : «ما أنت إلا سير البريد» وليس فيه تكرار.
قلت : قد يتوهّم المتوهّم أنّه يشترط إمّا التكرار وإمّا الإضافة ، لأنّه لفظ زائد فيه (٥) ، فكأنّه (٦) قام مقام المحذوف ، والضّابط لهذا القسم أن يتقدّم نفي ، أو ما هو في معنى النّفي (٧) داخل على اسم وبعده إثبات لا يصحّ أن يكون ما بعد الإثبات خبرا عن الأوّل ، فعند ذلك إذا نصبته (٨) على المصدر وجب الحذف ، ولو فقد شرط ممّا ذكرناه لم يلزم هذا الحكم ، فلو لم يوجد النّفي فقلت : أنت سيرا (٩) ، أو «أنت سير البريد» لم يجب حذف الفعل ، بل تقول : «أنت تسير سيرا» باتّفاق (١٠) ، ولو لم يكن بعده اسم لم يكن منصوبا بفعل مضمر أصلا ، كقولك : «ما تسير إلّا سيرا» ، ولو لم يكن ممّا لا يصحّ أن يكون خبرا عن الأوّل لم يصحّ نصبه باتّفاق ، كقولك : «ما سيرك إلّا سير» ،
__________________
(١) عبارة الزمخشري : «ومنه إنما أنت سيرا سيرا ..» المفصل : ٣٢.
(٢) حذف الفعل في مثل هذا واجب ، انظر شرح المفصل لابن يعيش : ١ / ١١٥ ، وشرح الكافية للرضي : ١ / ١٢٠ ، والأشموني : ٢ / ١١٨ ، وشرح التصريح على التوضيح : ١ / ٣٢٩ ، ٣٣٢.
(٣) انظر الكتاب : ١ / ٣٣٥ ، والمقتضب : ٣ / ٢٢٩ ـ ٢٣٠.
(٤) أي : الزمخشري ، انظر المفصل : ٣٢.
(٥) سقط من د : «فيه».
(٦) في د : «كأنه».
(٧) في د : «نفي».
(٨) في د : «نصبه».
(٩) في د : «أنت سيرا سيرا» ، خطأ. انظر الأشموني : ٢ / ١١٨ وشرح التصريح : ١ / ٣٣٢.
(١٠) في د : «بالاتفاق». انظر شرح التسهيل لابن مالك : ٢ / ١٨٩ ، والأشموني : ٢ / ١١٨ ، وشرح التصريح على التوضيح : ١ / ٣٣٢.
![الإيضاح في شرح المفصّل [ ج ١ ] الإيضاح في شرح المفصّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2183_alezah-fi-sharh-almofassal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)