الدعوة شيء من المرونة السياسية لما وقفت عند المد الذي وقفت عنده ، ولو كان المسلمون والعرب بتلك الوقت بالحالة التي هم فيها اليوم من الرقي لوجدوا في عبد العزيز وابنه سعودا ما يبلغهم أملهم في الاستقلال وتخليص الجزيرة والبلاد المشتعلة بها من النفوذ التركي ، ومنع التدخل الأجنبي الذي تغلغل فيها الآن ، ولكنها فرصة ضاعت ولم يحسن الطرفان استثمارها ، والسبب في ذلك ما كان عليه المسلمون من الضعف الأخلاقي ، والوهن السياسي الذي وجده الحكم التركي والدعاية التي بثها هؤلاء بمساعدة مأجوريهم من العلماء والأمراء لتشويه سمعة هذه النهضة ووصمتها بالخروج عن الدين ، وإذا ما أردت أن تعرف مدى تغلغل هذه الدعاية بالأمة الإسلامية تجده هذه التواريخ التي جعلت القضاء على هذه النهضة من أكبر مناقب السلطان محمود وأعظم حسنات محمد علي خديوي مصر ، وخصوصا العلماء الدينيين الذين كان معظمهم أبوابا للدعاية التركية ، هذا من جهة ومن جهة ثانية إن سياسة الإمام عبد العزيز ليست قابلة للتوسع لكونها دينية خالصة ، وما صاحبها من الشدة لحمل الناس على ما لا يعتقدونه وخصوصا وأن هذه البلدان المجاورة سكانها خليط من المسلمين وغيرهم من المعالم الأخرى الغير إسلامية التي لا ترتاح لمثل هذه السياسة الدينية ، فلو سلك الإمام عبد العزيز الأول في سياسته سياسة الملك عبد العزيز عبد الرحمن ملك الحجاز ونجد لهذا العهد لنجح في تحرير بلاد العرب بأسرها ، ولكانت اليوم تتمتع بها تحت راية واحدة أو على رايات من أهلها من البحر الأبيض إلى البحر الأحمر إلى الخليج الفارسي ، ولكن لكل أجل كتاب.
![خزانة التّواريخ النجديّة [ ج ٧ ] خزانة التّواريخ النجديّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2169_tawarikh-najdiya-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
