ثم إن هذا الدين الذي منّ الله به على أهل نجد آخر هذا الزمان بعد ما كثر فيهم الجهل والضلال ، والظلم والجور والقتال ، فجمعهم الله تعالى بعد الفرقة ، وأعزهم بعد الذلة ، وأغناهم بعد السبلة ، وجعلهم إخوانا ، فأمنت به السبل ، وحيت السنة ، واستنار التوحيد بعد ما خفا ودرس ، وزال الشرك بعد ما رسى في البلاد وغرس ، وطفت نيران الظلم والفتن ، ورفعت مواد الفساد والمحن ، ونشر راية الجهاد على أهل الجور والعناد ، وكان فعلهم ذلك من يقول الشيء كن فيكون (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء : ١٠٥].
وذلك بسبب من عمت بركة علمه العباد ، وشيد منار الشريعة في البلاد ، وقدوة الموحدين ، وبقية المجتهدين ، وناصر سيد المرسلين ، شيخ مشايخنا المتقدمين ، الشيخ الأجل ، والكهف الأظل ، محمد بن عبد الوهاب ، أحله الله تعالى فسيح جنانه ، وتغمده برحمته ورضوانه ، فآواه بأن جعل عز الإسلام على يديه ، وجاد بنفسه وما لديه ، ولم يخش لوم اللائمين ، ولا كيد الأعداء المحاربين محمد بن سعود وبنوه ، ومن ساعدهم على ذلك وذووه ، خلد ملكهم مدى الزمان ، وأبقاه في صالح عقبهم ما بقي الثقلان ، فشمر في نصرة الإسلام بالجهاد ، وبذل الجد والجهد والاجتهاد ، فقام في عداوته الأكابر والأصاغر ، وجروا عليه المدافع والقنابر ، فلم يثن عزمه ما فعل المبطلون ، وجاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون.
ثم إن نفسي لم تزل تتوق لمعرفة وقايعهم وأحوالهم ، وصفة جيوشهم العرمرمية وقتالهم ، فإنهم هم الملوك الذين حازوا فضائل المفاخر ، وذل لهيبتهم كل عنيد من باد وحاضر ، ملؤوا هذه الجزيرة بإدمان سيف قهرهم ، كما ملؤوها بسيل عدلهم وبرهم ، واستبشرت بهم الحرمان الشريفان.
![خزانة التّواريخ النجديّة [ ج ٦ ] خزانة التّواريخ النجديّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2168_tawarikh-najdiya-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
