بين إخوانه أنه من أرباب الخطوة ، وممن تطوى له الأرض ، كان يتأهّب لصلاة الجمعة بمكة فيرى في المدينة يصليها ، ثم يرجع فربما أدرك الصلاة وربما يوافق دخوله المسجد الحرام خروج الناس من الصلاة.
فيقال له : يا سيدي فاتتك الجمعة. فيقول : نصليها إن شاء الله ، يريد الجمعة المستقبلة.
وخرج معه خادمه مرة فقال له لما أن قربا من المدينة : يا سيدي ، قد يسألني بعض الفقراء عن مدة سفرنا فما يكون جوابي؟
فقال له الشيخ : اكتم ما رأيت ولا تقل إلا حقا ، فلما دخلوا المدينة المشرفة سلّم عليهم بعض الفقراء ، وقالوا للخادم : متى خرجتم من مكة؟
فقال : يوم الجمعة.
وتخلص منهم بذلك ، فكتم الحال ، وصدق في المقال. وله حكايات غريبة في خروجه من بلده من المغرب ووصوله إلى الحرمين الشريفين من هذا النوع شاهده من لا يتّهم.
وحكى عنه ذلك من له في المجاهدة أوفى قدم ، وحاله وحكاياته بمكة عند أهلها مشهورة.
كان إذا قدم المدينة احتفل الجماعة به وتبركوا بدعائه وبكلامه ، وأكثر إقامته بمكة في رباط الموفق ، توفي رحمهالله بمكة سنة ثلاثين وسبعمائة.
وكان من الأولياء الكبار القدماء الذين ينفقون من الغيب الشيخ محمد الهوري (١) ، أكثر إقامته بمكة ثم انتقل إلى المدينة فأقام بها ، فصادف غلاء عظيما ، وعدم التمر حتى وصل صاعه إلى الخمسين ولا يوجد ، وذلك في سنة خمس وتسعين وستمائة ، وكان الشيخ رحمهالله يسكن في الحصن العتيق في بيت فيه شباك إلى الحرم ، وكان يتصدق بالتمر البرني على الناس لا يعلم أحد من أين يأتيه ، ولا له من يشتريه ، بل لو أراد ذلك لما وجد لقلته وعدمه ، وكان يقول لكل من وقف عليه من الكبار والصغار : كم في بيتك من العيال؟ فيذكر له عددهم قلّوا أو كثروا ، فلا يكاد يزيدهم على تمرة
__________________
(١) ذكره في : «العقد الثمين» ٢ / ٤١٣ (٥٠١) ، نقلا عن ابن فرحون
