وكان برباط الأصبهاني (١) جماعة أولهم وأولاهم بالذكر ، الحبر الكبير والسيد الشهير ذو العلوم المتعددة والمقامات الربانية ، والكرامات الإلهية عز الدين يوسف بن الحسن الزرندي (٢) المحدّث ، سكن رباط الأصبهاني فعمره وردّه إلى أهله على شرط واقفه بعد أن كان منزلا للنساء والفتيان ، وكان شيخ الربط كلها يتفقدها ويعمرها ، سكن في حجرة الرباط فما كان يعرف الرباط إلا به.
أخبرتني جدتي : أنها كانت ساكنة فيه مع بناتها وجماعة أهلها ، وكان الرباط قد اسودّ وتغير بالدخان والوقيد فيه حتى قام به الشيخ رحمهالله فعمره ، وأخرج منه النساء وغيرهم ، وفيه ولد أولاده ، فلم يزل فيه حتى كثر عياله وانتشر أتباعه فانتقل عنه ، وكان الشيخ عز الدين ـ رحمهالله ـ قد لزم قراءة «البخاري» في الروضة المشرفة فيختمه في كل جمعة.
وأخبرني : أنه ختمه في ثلاثة أيام ، لأنه صار على قلبه وطرف لسانه يؤديه بفصاحة ومعرفة لا يمل سامعه قراءته ، ومن غاب أعاد له ما فاته.
وكان ـ رحمهالله ـ حسن الأخلاق جميل المعاشرة غير مهتمّ بأمور الدنيا ، مقبلا على شأنه وعبادته ، ومناقبه رحمهالله كثيرة لا يسع ذكرها هذه العجالة ، توفي رحمهالله بطريق العراق ذاهبا في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ، وأحيا ذكره أولاده النجباء الفقهاء الأئمة الأعلام : شمس الدين محمد (٣) ، وشهاب الدين أحمد (٤) ، ونور الدين علي (٥) ، وأكبرهم أخونا في الله شمس الدين محمد رحمهالله ، كنت معه كالأخوين المتراضعين ، رؤس في المدينة ، وصنف الكتب العديدة (٦) ودرس في
__________________
(١) ويعرف أيضا : برباط العجم.
(٢) يوسف بن الحسن بن محمد بن محمود بن الحسن الأنصاري الزرندي : ولد سنة ٦٤٠ ه ، كان عدلا فاضلا ، وعابدا ممعنا ، توفي سنة ٧١٢ ه. ترجمته في : «الدرر الكامنة» ٤ / ٤٥٢ (١٢٥١).
(٣) ترجمته في : «الدرر الكامنة» ٤ / ٢٩٥ (٨١٦).
(٤) ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ١ / ١٥٩ (٣٣٩).
(٥) ترجمته في : «الدرر الكامنة» ٣ / ١٤٢ (٣٢٤) ، «التحفة اللطيفة» ٢ / ٣٠٥ (٣١٠٣).
(٦) منها ما ذكره ابن حجر العسقلاني في «الدرر الكامنة» : «درر السمطين في مناقب السبطين» ؛ «بغية المرتاح» جمع فيها أربعين حديث بأسانيدها وشرحها.
