قال : فانتظرت شيئا فلم يأتني شيء ، فلما صليت صلاة الظهر صلى إلى جنبي الشيخ أبو بكر الشيرازي ، فجعل تحت سجادتي شيئا ثم مضى ، وكان التعامل يومئذ بين الناس بالعلوية ، وهي قطيعات فضّة مسكوكة باسم صاحب المدينة ، كل واحد صرفه بسدس درهم ، ولم يكن يومئذ فلوس.
قال : فكشفت السجادة فوجدت علوية صرفها ذلك العدد. أعني الستة عشر التي أعطانيها رسول الله صلىاللهعليهوسلم فحمدت الله ، وقلت : الأمر أيسر من ذلك ، فما فرغت حتى فتح الله بغيرها ، وكان بيتهم بيت صلاح وخير وعلم رحمهمالله أجمعين.
وكان له ولدان أحدهما الفقيه العالم المتفنن بدر الدين عبد الله ، وشمس الدين محمد ، فأمّا محمد فأقام بمصر ، وأمّا عبد الله فأقام عند والده وساعده على وقته ، وكان مشتغلا بالعلم مشاركا في فنون ، ولما توفي والده في سنة سبع أو ثمان وأربعين ضم شمل عيال والده ، وأضافهم إلى عياله وارتكب بسبب كثرتهم وقلة شفقتهم عليه ديون عظيمة ، وفي السنة التي توفي فيها وهي سنة اثنتين وستين وسبعمائة عزم على السفر إلى مصر لأجل ثقل دينه ، فمرض قبل السفر بيوم فبطّل واتكل في قضاء دينه على الله ، فمرض أياما يسيرة ثم توفي رحمهالله تعالى ، فحسب ما عليه من الدين فكان ثمانية آلاف درهم وكسر ، فأشفق الناس عليه لتعلق ذمته بهذا المبلغ وكونه لم يخلف ما يقضى منه دينه ولا ربع دينه ، وكان في المدينة رجل يقال له : الشيخ أبو بكر بن قرنيع من تجار اليمن من ذوي المعروف. فقال : أنا أتكفل بقضاء دينه ، ولم تكن بينه وبينه خلطة توجب شيئا من ذلك ، فصالح عنه جميع الغرماء وأرضاهم.
وأخبرنا شمس الدين العلامة الخوارزمي ـ وكان عندنا مجاورا ـ : أنه رأى النبي صلىاللهعليهوسلم في النوم وقد جمع غرماء عبد الله وهو يتعطفهم ويأمرهم بالإسقاط عنه والصبر عليه ، وابن الزبير حاضر بين يديه والجماعة يجيبون النبي صلىاللهعليهوسلم إلى ما سألهم وهو عليه الصلاة والسّلام مسرور بذلك منهم ، فصحت الرؤيا وظهرت عنايته صلىاللهعليهوسلم بعبد الله بن الزبير رحمهالله.
