على ركبتيه وكساه بالرمل حتى دخل في فمه ، فجعل يقول له : لا تفعل يا أبا عبد الله ، لا تفعل لا تفعل ، وقام إليه الظهير شيخ الخدّام ، وجماعتهم فقبّلوا رأسه وسألوه الكفّ عنه والرجوع إلى مجلسه ، فرجع إلى مكانه وانكسرت شوكة السراج بعد ذلك ، وترك الشر وزاد الجماعة من التمر.
فلم يلبث إلا قليلا إذ جاء الخبر أن القاضي فخر الدين ناظر الحرمين يريد الحج ، فخاف السراج على نفسه ، وخشي أن يشكو عليه الشيخ ، فلما قدم الفخر المدينة ، رأيت الفخر يدور المسجد يطلب الشيخ أبا عبد الله القصري ، والسرّاج خلفه يطلب الاجتماع بالفخر وهو لا يلتفت إليه ، فلم يذكر الشيخ له شيئا مما وقع بينهم وبينه ، ولا بيننا وبينه حتى سافر ، ومن يومئذ استمر حال المالكية وظهر أمرهم وقوي مذهبهم وكثرت جماعتهم وأولادهم ، فقرأوا الكتب المطولة وفقهوا ببركة والدي والشيخ أبي عبد الله القصري رحمهماالله.
ثم توفي والدي (١) عام اثنين وعشرين وسبعمائة ، فتعطّلت المدارس واستبشر المراوش (٢) ، وزعموا أن لا تقوم بعد والدي للمالكية راية ، ولو علموا ما في الغيب ما عملوا ، فلم تكن إلا سنة واحدة حتى جاءني البشير بالتوقيع والمراسيم ، فأراد السراج ومن معه من الأعوان الكلام في ذلك ، فخاف على منصبه ورجع على عقبه واستقللت ببركة هذا النبي الكريم صلىاللهعليهوسلم.
وكان لي في ظهور مذهب مالك ونشره بالمدينة عمل عظيم ، أرجو به من الله الثواب الجسيم ، والنعيم المقيم ، فإنه لم يكن له ظهور من قبل ذلك بسنين ، فالحمد لله على ما أعطى ومنع ، وضيق ووسع ، ولو أذكر لك ما قاسيت في ذلك الوقت وبعده من أهل الشر والحسد والبغي لوقفت على صبر عظيم ، وعلى خطب جسيم ، وعذاب أليم ، من سواد خلف لئيم ، أعوذ بالله من أمثالهم ومن الشيطان الرجيم ، أخذوني تارة بالخدع والملق ، وتارة يجاهرون فأعوذ برب الفلق.
__________________
(١) سيورد المؤلف ترجمة وافية في آخر الكتاب عن والده وأخيه ، وقد نقل معظمها السخاوي في «التحفة اللطيفة» ٢ / ٥٦٢ (٤٠٧٤).
(٢) يعني : الأشرار. انظر «لسان العرب» ، مادة : «مرش».
