ودين ، وعزة وحسن يقين ، صحب المشايخ الكبار من المجاورين ، فتأدب بآدابهم ، واكتسب من أخلاقهم ، فلزم قراءة القرآن ، وجاهد نفسه بالصيام والقيام والصدقة والإحسان ، وأوقف أملاكا ما بين نخيل ودور ، وأعتق خداما وعبيدا وإماءا يزيد عددهم على الثلاثين ، وعلّق من خدامه في الحرم سبعة ، وكفل أيتاما وحرما ، ونعّمهم بالمأكل والملبس والمسكن حتى كانوا يعدّون من عياله ، وله مناقب جليلة ، ومحاسن عديدة.
منها : أنه لما سافر إلى الديار المصرية استخلف على بيته وأمواله بعض أصدقائه من المجاورين ، وكان في البيت إماء وعبيد وخدام ، فاستأمنهم الوكيل ، وظن أنهم لا يتفقون على الخيانة ، فخربوا البيت وضيعوا أكثر ما فيه ، فلما قدم الشيخ عزّ الدين من مصر ، فقد ما خلفه في بيته فسأله عنه. فقال : لا علم لي بشيء ، غير أني كنت أخرج لهم نفقتهم ، وأصرف عليهم ما يحتاجون إليه ، ولا أعلم من حالهم شيئا ، ولم أظن فيهم أنهم يتواطؤون على الخيانة ، فحاسبه على ما خلّفه في بيته ، فوجدوه قد نقص مقدار أربعة وعشرين ألف درهم.
فقال له : هذه لازمة لك بحكم الشرع ، لأنك فرطت فيما وكلتك فيه.
فقال : نعم. ألتزم بها وأقوم بأدائها ، فتقوّم من أملاكي ونخيلي ما شئت ، فخلا الشيخ بأصحابه وشاورهم في ذلك. فقالوا له : المفرّط أولى بالخسارة.
فقال لهم الشيخ : لم يصب رأيكم ، رجل صحبته في الله ، وأقرأني القرآن ، أغرمه شيئا أفسده عبيدي ولم يتدنس منه بشيء ، معاذ الله من ذلك ، وأبرأ ذمته. ولم يزل له صديقا إلى أن فرق الموت بينهما. رحمهماالله تعالى.
له بالحرم الشريف آثار حسنة ، وكان فيه من الشدة في الدين على الأشراف ما كان في ظهير الدين وزيادة ، مع الانقياد إلى الشرع والموافقة على الخير ، وكان حين ولايته في القاهرة سعى في المشيخة صفي الدين جوهر (١) خادم اللالا فأعطيها ، وكان بينه وبين جمال الدين المطري شيء
__________________
(١) ذكره في : «التحفة اللطيفة» ١ / ٢٥٢ (٨١٠) ، نقلا عن ابن فرحون ؛ «الدرر الكامنة» ١ / ٥٤٤ (١٤٧١).
