لأصحابه وأحبابه ، بلغ من قوة عزيمته في دينه أن جعل في عنقه غلا ثقيلا يتذكر به حال الآخرة ، فنهي عن ذلك فأبى حتى قيل له : خالفت السنّة وارتكبت البدعة فترك ذلك بعد شدة ، وكان يسرد الصوم أبدا حتى العيدين ، فقيل له في ذلك!
فقال : إن أكلت شيئا مرضت ، فقيل له : كل ولو مثل حبة من الطعام ، وإلا فتأثم بالإجماع ، فكأنه فعل والله أعلم. توفي رحمهالله في «خليص» متوجها إلى مكة سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
وأيضا كان في الرباط المذكور الشيخ عثمان (١) المجكسي (٢) ، والشيخ موسى الغزاوي من الشيوخ الصالحين ، كثيرة مناقبهم عديدة محاسنهم ، كان الشيخ عثمان قد اشتغل بطرف من العلم والحديث ، ولازم مجالس الشيوخ العالمين العاملين فانتفع بهم وتجرد عن الدنيا ، وكان على طريقة السلف الصالح ، وكان ذا عبادة وجد واجتهاد لم يبق منه إلا العظم والجلد ، يحسبه الذي يراه أنه لكما قام من المرض من صفرة لونه وشدة ضعفه ، وكان لا يزال مكشوف الرأس ذا شعرة مسدولة إلى شحمة أذنه لا يحلق رأسه إلا في الحج إتباعا للسلف ، وكانت له أحوال ومكاشفات صحيحة ظاهرة.
وكان ابن أخي محمد بن محمد قد صحبه ولازمه فكان يحكي عنه أحوالا جليلة ، وأصله من الأندلس جاء منها ماشيا إلى مكة المشرفة ، فأقام بها سنين وكان يسكن في رباط ربيع ، وذكر أنه كان يوما ينزف الماء من بئر الرباط فثقلت به الدلو فوقع في البئر وهي من أطول آبار مكة ـ وطول آبارها لا يخفى على من حج البيت الحرام ـ فنزلوا إليه فوجدوه سالما صحيحا ، ثم ارتحل إلى المدينة وسكن الرباط المذكور وكان بينه وبين الشيخ موسى شأن وفتن سببها أن الشيخ عثمان اشتغل بالعلم وصحب شيوخ المغرب أهل
__________________
(١) هو : عثمان المجكسي الأندلسي الغماري. ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ٢٥٣ (٢٩٤٥) ، «الدرر الكامنة» ٢ / ٤٥٣ (٢٦٢٠).
(٢) في (أ) ، (ب): «المحكي» ، وفي «الدرر الكامنة» : «المجلس» ، وما أثبت كما في : «التحفة اللطيفة» والنسخة (ج).
