بقتل عمرو ، ألّا يتعرّض له ، رجاء أن يأتي بأصحابه فيقتلهم. وخرج عمرو ، فلمّا أبطأ عليه الفتح ، قال الزبير : إنّي أهب نفسي لله ، أرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين ، فوضع سلّما إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ، ثمّ صعد ، وأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا ، فما شعروا إلا والزّبير على رأس الحصن يكبّر معه السيف ، وتحامل الناس على السلّم حتّى نهاهم عمرو خوفا من أن ينكسر. فلمّا اقتحم الزبير ، وتبعه من تبعه ، وكبّر وكبّر من معه ، وأجابهم المسلمون من خارج ، لم يشكّ أهل الحصن أنّ العرب قد اقتحموا جميعا ؛ فهربوا ، فعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه ، واقتحم المسلمون الحصن ؛ فلمّا خاف المقوقس على نفسه ومن معه ؛ حينئذ سأل عمروا بن العاص الصلح ، ودعاه إليه على أن يفرض للعرب على القبط دينارين دينارين على كلّ رجل منهم ، فأجابه عمرو إلى ذلك.
قال الليث بن سعد رضياللهعنه : وكان مكثهم على باب القصر حتّى فتحوه سبعة أشهر.
قال ابن عبد الحكم : وحدّثنا عثمان بن صالح ، أخبرنا خالد بن نجيح ، عن يحيى ابن أيّوب وخالد بن حميد ، قالا : حدّثنا خالد بن يزيد ، عن جماعة من التابعين ، بعضهم يزيد على بعض ، أنّ المسلمين لمّا حاصروا بابليون ، وكان به جماعة من الروم وأكابر القبط ورؤسائهم ، وعليهم المقوقس ، فقاتلوهم بها شهرا ، فلمّا رأى القوم الجدّ منهم على فتحه والحرص ، ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه ، خافوا أن يظهروا ، فتنحّى المقوقس وجماعة من أكابر القبط ، وخرجوا من باب القصر القبليّ ، ودونهم جماعة يقاتلون العرب ، فلحقوا بالجزيرة ، وأمروا بقطع الجسر ؛ وذلك في جري النيل ، وتخلّف الأعيرج في الحصن بعد المقوقس ، فلمّا خاف فتح الحصن ، ركب هو وأهل القوّة والشرف ، وكانت سفنهم ملصقة بالحصن ، ثمّ لحقوا بالمقوقس في الجزيرة.
فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص : إنّكم قوم قد ولجتم في بلادنا ، وألححتم على قتالنا ، وطال مقامكم في أرضنا ؛ وإنّما أنتم عصبة يسيرة ، وقد أظلّتكم الروم ، وجهّزوا إليكم ، ومعهم من العدّة والسلاح ، وقد أحاط بكم هذا النّيل ، وإنّما أنتم أسارى في أيدينا ، فأرسلوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم ؛ فلعلّه أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبّون ونحبّ ، وينقطع عنّا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم ، فلا ينفعنا الكلام ، ولا نقدر عليه ؛ ولعلّكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم ، فابعث إلينا رجالا من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم ، وما بهم من شيء.
![حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة [ ج ١ ] حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2158_hosno-almohazerah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
