أبو بنيامين ، فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص ، كتب إلى القبط يعلمهم أنّه لا يكون للروم دولة ، وأن ملكهم قد انقطع ، ويأمرهم بتلقّي عمرو. فيقال إنّ القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعوانا. ثم توجّه عمرو ؛ لا يدافع إلا بالأمر الخفيف ، حتّى نزل القواصر (١). فنزل ومن معه ، فقال بعض القبط لبعض : ألا تعجبون من هؤلاء القوم ، يقدمون على جموع الرّوم ، وهم في قلّة من الناس! فأجابه رجل آخر منهم : إنّ هؤلاء القوم لا يتوجّهون إلى أحد إلا ظهروا عليه ، حتّى يقتلوا أخيرهم. فتقدّم عمرو لا يدافع إلّا بالأمر الخفيف ، حتّى أتى بلبيس ، فقاتلوه بها نحوا من شهر ، حتّى فتح الله عليه ، ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف ، حتّى أتى أمّ دنين (٢) ، فقاتلوه بها قتالا شديدا.
وأبطأ عليه الفتح ، فكتب إلى عمر يستمدّه ، فأمدّه بأربعة آلاف ، تمام ثمانية آلاف ، فسار عمرو بمن معه حتى نزل على الحصن ، فحاصرهم بالقصر الذي يقال له بابليون حينا ، وقاتلهم قتالا شديدا ؛ يصبّحهم ويمسّيهم. فلمّا أبطأ عليه الفتح ، كتب إلى عمر بن الخطاب يستمدّه ، فأمدّه عمر بأربعة آلاف رجل ، على كلّ ألف رجل منهم رجل ، وكتب إليه : إنّي قد أمددتك بأربعة آلاف رجل على كلّ ألف رجل منهم رجل مقام الألف : الزبير بن العوّام ، والمقداد بن الأسود ، وعبادة بن الصامت ، ومسلمة بن مخلّد. واعلم أنّ معك اثني عشر ألفا ، ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلّة.
وكانوا قد خندقوا حول حصنهم ؛ وجعلوا للخندق أبوابا ، وجعلوا سكك الحديد موتدة بأفنية الأبواب. فلمّا قدم المدد على عمرو بن العاص أتى إلى القصر ، ووضع عليه المنجنيق ـ وكان على القصر رجل من الروم يقال له الأعيرج واليا عليه ، وكان تحت يدي المقوقس ـ ودخل عمرو إلى صاحب الحصن ، فتناظرا في شيء ممّا هم فيه ، فقال : أخرج وأستشير أصحابي ، وقد كان صاحب الحصن أوصى الّذي كان على الباب : إذا مرّ به عمرو أن يلقي عليه صخرة فيقتله ، فمرّ عمرو وهو يريد الخروج برجل من العرب ، فقال : قد دخلت فانظر كيف تخرج ، فرجع عمرو إلى صاحب الحصن ، فقال : إنّي أريد أن آتيك بنفر من أصحابي ، حتّى يسمعوا منك مثل الذي سمعت ، فقال العلج (٣) في نفسه : قتل جماعة أحبّ إليّ من قتل واحد ؛ فأرسل إلى الذي كان أمره
__________________
(١) في معجم البلدان : القواصر موضع بين الفرما والفسطاط نزله عمرو بن العاص في طريقه إلى مصر.
(٢) أم دنين سبق ذكر موضعها.
(٣) العلج : الرجل الضخم القوي من كفّار العجم ، وبعضهم يطلقه على الكافر عموما.
![حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة [ ج ١ ] حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2158_hosno-almohazerah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
