الأشخاص المجدون هنا فى المدينة المنورة هم أولئك الحجاج المعدمون ، وبخاصة السوريون منهم ، الذين يكثر وجودهم هنا فى مدينة الرسول ، والذين يحاولون عن طريق العمل الدءوب ، طوال أشهر قلائل ، جمع مبلغ من المال يفى بنفقات عودتهم إلى بلادهم. هؤلاء الحجاج المعدمين يعملون فترات متقطعة فقط ، وإذا ما غادروا المدينة المنورة أو رحلوا عنها ، خلت من الحرفيين فترة طويلة من الزمن. أثناء مقامى فى المدينة المنورة ، لم يكن فيها سوى رجل واحد هو الذى كان يناقش المشكلات العائلية ؛ وعند ما ترك ذلك الرجل المدينة المنورة ، على حد تعبير نساء الجزيرة العربية ، تعين على الحجاج الأجانب مناقشة مشاكلهم بأنفسهم. ومع مثل هذه الظروف يتعذر على الرجال العثور على أبسط سبل الراحة ، بل إن النقود نفسها لا يمكن لها هنا أن تلبى احتياجات الإنسان. ومع ذلك ، هنا طائفة من الرجال سبقت الإشارة إليها وأنا أتناول مكة بالوصف ، هؤلاء الرجال على استعداد لتقديم الخدمات للآخرين. هؤلاء الرجال هم الحجاج الذين يأتون من إفريقيا ؛ إنهم قلة قليلة من الزنوج ، أو أن شئت فقل التكارنة على حد تسمية الناس لهم ، والذين يأتون إلى مكة ، دون أن يزوروا المدينة المنورة التى هى فى نظرهم أكثر وقارا وتقديرا عن مكة المكرمة. المذهب المالكى الذى يعتنقه هؤلاء الزنوج ، يضع احترام (سيدنا) محمد صلىاللهعليهوسلم فى منزلة أسمى من المنزلة التى تضعه فيها المذاهب الثلاثة الأخرى ، هؤلاء الزنوج يقتربون من قبر محمد صلىاللهعليهوسلم بضمائر مرتاعة وخائفة ، وبمشاعر تختلف عن المشاعر التى تعتريهم عند ما يزورون الكعبة ، وهم مقتنعون تماما ، أن الدعاء الذى يرددونه أمام شباك الحجرة لا بد أن يستجاب إن آجلا أم عاجلا. سألنى أحد هؤلاء الزنوج ذات مرة ، بعد حوار قصير دار بينى وبينه ، عما إذا كنت أعرف ذلك الدعاء الذى إذا ما دعا به المسلم ، رأى محمدا صلىاللهعليهوسلم فى المنام ، لأنه كان يود أن يسأله سؤالا واحدا ، وعند ما أعربت له عن جهلى بهذا الموضوع قال لى : إن النبى صلىاللهعليهوسلم ظهر لعدد كبير من أهل بلده. هؤلاء الزنوج هم الذين يزودون المدينة المنورة بالحطب الذى يجمعونه من الجبال المجاورة للمدينة ، ويبيعونه بمبالغ لا بأس بها ، وإذا ما غاب هؤلاء الزنوج عن المدينة المنورة ، أو إذا ما قل عددهم فى المدينة ، عجز الناس عن الحصول على الحطب حتى إن
![ترحال في الجزيرة العربية [ ج ٢ ] ترحال في الجزيرة العربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2156_tarhal-fe-aljazerat-alarabeyah-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
