البلد السادس :
إسكندريّة (١)
وهي من أجلّ المدن وأمتنها وضعا ، وأكمل السّواحل ، المحيط بها البحر في التحصين عن العدا ؛ طردا ودفعا ، بحيث كانت قبل فتحها للمملكة محلا ، وصارت لحفظ من يخلع من الملوك وشبههم في الغالب وطنا مستقلا ، بل دخلها سلطان وقتنا في قوّة سلطانه ، بأمرائه وجنده وأمنائه ؛ المحفوفين برفده ، مع تحلّيهم باللباس الكامل ، وتخلّيهم عن الإيناس بما هو عن قصدهم عاطل ، فقلق من بها من العدو لذلك ، وفرق أن يكون مقدمه للمهالك ، وفاز هو بما اغتبط به أتمّ الاغتباط ، وحاز مع أتباعه بحسن النية فضيلة الرباط ، لا سيّما وقد أمر ببناء برج بها حافل ، هو لتحصينها مع العدد والعدد كافل ، وتمّ بعد ذلك على أعظم الوجوه ، واهتمّ لرؤيته من شاء الله من المسلمين وابتهجوه ، نصر الله الإسلام بوجوده ، ونضّر وجهه ببلوغه في الخير غاية مقصوده.
جمع للمقيم بها بالقصد الحسن من الثواب ما تقرّ به العين ، وسمع تمنّي الأكابر كعمر بن عبد العزيز ـ لو لا الخلافة ـ نزولها ليقبر بين ذينك الميناوين.
وأظهر عطاء إليها شوقا زائدا ، وأشهر غيره من بهاء بياضها ورونقها قولا متعاضدا.
وإنّ جدرها وأرضها كانت زائدة الابتهاج ؛ لكسوتها بالرخام الأبيض المستغنية معه عن الإسراج ، فإنه كان قد سخّر شأنه لأهلها بلينه معهم كالعجين إلى نصف النهار ، فيفعل منه ما يرام ويشتهى ، ثم يشتدّ فلا يمتدّ. وهي من آخر
__________________
(١) انظر «معجم البلدان»١ / ١٨٢ ، و «مراصد الاطلاع»١ / ٧٦ ، و «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»للمقريزي ١ / ١٤٤.
