البلد الرابع والأربعون :
صالحيّة دمشق (١)
وهي بسفح جبل قاسيون ، نسبت لأناس صالحين ؛ فإنّ شيخ الإسلام أبا عمر ابن قدامة أول ما هاجر هو وأخوه الشيخ الموفق عبد الله ووالدهما وابن خالتهما الحافظ التقي عبد الغني بن عبد الواحد ، ومن يلوذ بهم من المقادسة ، وذلك في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة ، نزلوا ظاهر «باب شرقيّ»من دمشق بمسجد يعرف بأبي صالح ، فأقاموا به نحو سنتين ؛ مجتهدين فيما يقربهم إلى الله تعالى ، ثم انتقلوا إلى الجبل المشار إليه فقال الناس : الصالحية الصالحية.
قال الشيخ أبو عمر ـ سالكا التواضع ـ : ينسبونا إلى مسجد أبي صالح لا إلى الصّلاح.
ولم يكن إذ ذاك بالجبل عمارة سوى دير الحوراني وأماكن يسيرة ، فقام أبو عمر ببناء الدّير المبارك ؛ فعرف بدير المقادسة. وكان ممن ولد به ابن أختهما الحافظ الضياء المقدسي صاحب «المختارة»، وبنى أبو عمر لأهله دورا خارجة عن الدّير ؛ بل وبنى هناك مدرسة مركبة على نهر «يزيد»وقفها على القرآن والفقه ، وحفظ بها القرآن أمم لا يحصون ، وكذا بنى بها المظفر جامعا هائلا وجعله إمامه وخطيبه ، ثم خطب فيه بعده أخوه الموفق.
__________________
(١) قال ياقوت الحموي في «معجم البلدان»٣ / ٣٩٠ : والصالحية أيضا : قرية كبيرة ذات أسواق وجامع في لحف جبل قاسيون من غوطة دمشق ، وفيها قبور جماعة من الصالحين ، ويسكنها أيضا جماعة من الصالحين لا تكاد تخلو منهم ، وأكثر أهلها ناقلة البيت المقدس على مذهب أحمد بن حنبل ا. ه وانظر : «مراصد الاطلاع»٢ / ٨٣٠.
