الوحش ألفهم لطول سفرهم ، واستقرارهم فى الفيافى ، فلا تفر منهم فتظهر أعينها بتلك الصفة حول أخبيتهم. وها هنا أمران لا بد من التنبيه عليهما :
أحدهما : أن زيادة قوله الذى لم يثقب ، وقوله فى رأسه نار لإفادة معنى كل منهما على أنه وصف لما قبله كسائر النعوت التى تزاد معانيها ، وليس معنى كل منهما مستفادا مما قبله. فإن كان الإتيان بالنعت عند الحاجة إليه مساواة ، فهذان منه وإلا لزم كون النعت إطنابا إن كان لفائدة ، أو تطويلا إن لم يكن بل ويلزم كون سائر الفضلات كذلك ، والآخر أنه على تقدير كونهما ليسا من المساواة ، فمفادهما ينبغى أن يبين وجه كونه من المعانى لا البديع فإن تحقيق التشبيه مثلا إنما يتبادر منه زيادة الحسن فى معنى الكلام وظرافته ، فهو بالبديع أجدر. ويقال مثله فى المبالغة فى التشبيه.
والجواب عن الأول : أن النعت وشبهه من سائر الفضلات ، إن أتى للمعنى الذى وضع له فقط ، ويكون مدرجا للأوساط من الناس ، كان مساواة ، وإن أتى به لمعنى دقيق ، يناسب المقام لا يدركه إلا الخواص ، ولا يستشعره إلا أهل الرعاية لمقتضيات الأحوال كالمبالغة فى التشبيه المناسبة فى قوله : فى رأسه نار كان إطنابا ولا نسلم أن ما أتى به للإطناب ، يجب أن يكون مستفادا مما قبله. بل إذا أتى بالشيء لمعناه وفيه دقة فى المقام مناسبة ، لا يأتى به لأجلها الأوساط من الناس وإنما يتفطن له البلغاء وأهل الفطنة ، وقصد الإتيان به لذلك كان إطنابا ولو أوجبنا فى الإطناب أن يكون معناه مدلولا لما قبله ، خرج كثير مما أوردوه فى هذا الباب عن معنى الإطناب وبهذا يجاب عن كل ما كان من هذا النمط مما يذكره المصنف بعد.
والجواب عن الثانى : أن مناسبة المبالغة للمقام ظاهرة لأنها زيادة فى مدح المرئى ، وذلك مناسبة لرثائه وزيادة التوجع عليه وأما تحقيق التشبيه ، فحسن الكلام به وظرافته ، يناسب مقام المفاخرة والإرباء على الأتراب فى الشعر والنثر ، ويناسب مقام إمالة النفوس لمدح الشاعر أو الثائر على شعره ونثره فمن هذا الوجه وما يشبهه يكون من المعانى ، وبه يعلم أن البديعيات إذا قصد بها مناسبة الأحوال التى أوردت لأجلها ، عادت معانى والمعانى إذا ذهل عن تلك المناسبات فيها ، وأتى بها لأجل ظرافتها فقط ،
![مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح [ ج ١ ] مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2113_mavaheb-alfatah-fi-sharh-talkhis-almeftah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
