هذا سهل ، فالمبالغة فى التشبيه ترجع إلى الإتيان بشيء يفيد كون المشبه به غاية فى كمال وجه الشبه ، الكائن فيه ، فينجر ذلك الكمال إلى المشبه الممدوح بوجه الشبه.
وأما تحقيق التشبيه فيرجع إلى زيادة ما يحقق التساوى بين المشبه والمشبه به ، حتى كأنهما شيء واحد لظهور الوجه فيهما بتمامه بسبب ذلك المزيد ، فصار من ظهوره فيهما كأنه حقيقتهما وما سواه عوارض ، من غير إشعار بكون المشبه به غاية فى الوجه ، لعدم قصد تعظيم الوجه فى المشبه به ليجر ذلك إلى عظمته فى المشبه وإليه أشار بقوله (و) ك (تحقيق التشبيه) أى : بيان أن وجه الشبه تحقق فيما بين المشبهين لا اختلال فيه بالنسبة لأحدهما دون الآخر ، فجاءت المبالغة كما تقدم. وتحقيق التشبيه المشار إليه هو كما (فى قوله) أى : امرئ القيس (كأن عيون الوحش) (١) المصطادة لنا (حول) أى : قرب طرف (خبائنا) أى : خيامنا. فالمراد بالخباء جنس الخيام الصادق بالكثير بدليل قوله (وأرحلنا) وهو من عطف التفسير (الجزع) خبر كأن ، وهو بفتح الجيم الخرز اليمانى ، وهو عقيق فيه دوائر البياض والسواد ، شبه به عيون الوحش بعد موتها وذلك أن عيون الوحش أعنى الظباء والبقر تظهر فى حياتها سوداء كلها ، وهى لا تخلو فى نفس الأمر من بياض ، فإذا ماتت ظهر بياضها الذى كان غطى بالسواد زمن الحياة فتشبيه عيون الوحش بالجزع فى الشكل واللون ، ظاهر ولكن الجزع المثقب يخالف العيون مخالفة ما فى الشكل فزاد قوله (الذى لم يثقب) ليحقق التشابه فى الشكل بتمامه. فهذه الزيادة لتحقيق التشبيه أى : التساوى فى وجه الشبه ، وليس هذا من المبالغة السابقة كما يتوهم إذ لم يقصد علو المشبه به فى وجه الشبه ، ليعلو بذلك المشبه الملحق به فقد ظهر الفرق بينهما كما تقدم ، والمراد من هذا الكلام أنهم كانوا يصطادون الوحش كثيرا ، وكثر أكلهم لتلك الوحوش ، وتركهم لأعينها حول أخبيتهم ، فصارت بتلك الصفة كذا فى شرح ديوان امرئ القيس ، وبه يرد على من زعم أن المراد أن
__________________
(١) البيت لامرئ القيس فى ديوانه ص (٢١٧) ، ولسان العرب (جزع) ، وأساس البلاغة (جزع) ، وتاج العروس (جزع) وكتاب العين (١ / ٢١٦).
![مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح [ ج ١ ] مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2113_mavaheb-alfatah-fi-sharh-talkhis-almeftah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
