أعلى وفى الثانى يهان زيد ثم يهان عمرو ، تعنى بما هو أدنى فقد استعملت ثم فى مجرد التدرج فى درج الارتقاء والانحطاط ومنه الحديث (من أولى الناس بالبر يا رسول الله؟
فقال : أمك ، فقيل : ثم ما ذا؟ قال : أمك فقيل : ثم ما ذا؟ قال : أبوك) (١) لأن المراد أن مرتبة البر بالأب أدنى من مرتبة البر بالأم ، لا أنه بعده فى الزمان كما لا يخفى وإذا كان كذلك فدخولها على الجملة المذكورة ، يؤذن بأن مضمونها أعلى عند المتكلم ، فلذلك دلت الآية على أبلغية الإنذار المضمون للجملة الثانية ؛ لأن الأبلغية علو فى المرتبة فى قصد المتكلم ووجه الشبه بين البعدين التفاوت بين مشتركين فى أمر خاص فى الجملة ، وهو ظاهر ومن نكت التكرار زيادة تأكيد ما تنتفى به التهمة فى النصح ، كقوله تعالى ـ حكاية عن صاحب قوم فرعون : (يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ* يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ)(٢) فتكرار يا قوم لما كانت فيه إضافة لياء النفس أفاد بعد القائل عن التهمة فى النصح ، حيث كانوا قومه وهو منهم ، فلا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه فتضمن تكراره تأكيدا لنفى التهمة.
ومن نكته أن يكون معنى متعلق الفعل المكرر مختلفا ، واللفظ الدال على ذلك المتعلق واحد ؛ لأن فى تكراره إفادة التنبيه على كل معنى بخصوصه والمقام يقتضيه كقوله تعالى : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٣) فإنه كرر ذلك إثر ذكر النعم فى السورة ، والنعم المذكورة مختلفة ، والمقام يقتضى التنبيه على كل نعمة ، ليقام بشكرها بخصوصها وأما ذكره بعد ذكر جهنم ، وإرسال الشوظ من النار فبالنظر إلى أنهما إنما ذكرا للزجر عن المعصية ، فعادا نعمة من حيث الانزجار بهما ، ولذلك عقبا بقوله تعالى فبأى آلاء ربكما تكذبان كسائر النعم.
__________________
(١) أخرجه البخاري ومسلم.
(٢) غافر : ٣٨ ـ ٣٩.
(٣) الرحمن : ١٣.
![مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح [ ج ١ ] مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2113_mavaheb-alfatah-fi-sharh-talkhis-almeftah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
