ومعنى ، فهذا هو كمال الانقطاع الذى يمنع العطف عند انتفاء الإيهام ، ولكن كون ما ذكر مانعا من العطف بالاتفاق إنما هو باعتبار مقتضى البلاغة ، وما يجب أن يراعى فيها.
وأما عند أهل اللغة ففيه الخلاف ، ومن منع فلا إشكال ، ومن جوز كأن يقال مثلا : «حسبي الله ونعم الوكيل» بناء على أن إحدى الجملتين خبر ، والأخرى إنشاء فتجويزه إذا لم تراع البلاغة ، كذا قيل ، وفيه نظر ؛ لأن الجائز لغة ما لم يكن نادرا ينافي البلاغة ، وإن أريد أن الفصل عند كمال الانقطاع واجب في مقام ممتنع في آخر ، فهذا مما لم يذكروه ، ولم يتعرضوا له أصلا ؛ بل صريح كلامهم أى : كمال الانقطاع هو كمال الفصل ، فالأقرب أن يقال : البيانيون على القول بامتناع الوصل الذى هو العطف فى كمال الانقطاع الذى هو كون إحدى الجملتين خبرا والأخرى إنشاء ، تأمله.
ثم مثل لكمال الانقطاع فقال (نحو) قوله (وقال رائدهم) (١) وهو الذى يتقدم القوم لطلب الماء والكلأ للنزول عليه ولا يكون غالبا إلا عريفهم (أرسوا) أى : أقيموا بهذا المكان الملائم للحرب ، وهو مأخوذ من أرسيت السفينة حبستها فى البحر بالمرساة ، وهى حديدة تلقى فى الماء متصلة بالسفينة فتقف ، وقد تطلق المرساة بفتح الميم على البقعة التى رست فيها السفينة (نزاولها) أى : نحاول أمر الحرب ، ونعالجها : أى : نحتال لإقامتها بأعمالها وتمام البيت :
فكل حتف امرئ يجرى بمقدار
أى : لا يمنعكم من محاولة إقامة الحرب بمباشرة أعمالها خوف الحتف ، وهو الموت فإن المرء لا يجرى عليه حتفه إلا بقدر الله وقضائه ، باشر الحرب أم لا ، فلا الجبن ينجى منه حتى يرتكب ، ولا الإقدام يوجبه حتى يجتنب.
وحاصله : الأمر بإقامة أمر الحرب والتشجيع على لقائها بسبب العلم بأن الشجاعة لا توجب حتفا كما أن الجبن لا ينجى منه ؛ لأن الأمور كلها بالمقادير ومنها الحتف فقوله : «أرسوا» جملة إنشائية لفظا ومعنى وقوله «نزاولها» جملة خبرية لفظا
__________________
(١) البيت للأخطل في خزانة الأدب (٩ / ٨٧) ، ومعاهد التنصيص (١ / ٢٧١) ، وبلا نسبة في شرح المفصل (٧ / ٥١).
![مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح [ ج ١ ] مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2113_mavaheb-alfatah-fi-sharh-talkhis-almeftah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
