ومثل هذا يتقرر فيما مثل به هنا أيضا من قوله : (مَتى نَصْرُ اللهِ)(١) (و) كالتعجب (نحو) قوله تعالى حكاية عن سليمان ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسّلام ـ ((ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ)) (٢) فإن الغرض من هذا التركيب التعجب ؛ لأن الهدهد كان لا يغيب عن سليمان ـ صلّى الله على نبينا وعليه وسلم ـ إلا بإذنه ، فلما لم يبصره تعجب من حال نفسه ، وعدم رؤيته ، والمتعجب منه فى الحقيقة غيبته من غير إذن ، وإنما لم يحمل على ظاهره من السؤال عن حال نفسه عند عدم الرؤية ؛ لأن الإنسان أعرف بحال نفسه غالبا ، فلا يستفهم عنها ـ كذا يقال : ولكن هذا فى الأحوال التى لا تخفى عن صاحبها ، كقيامه ، وقعوده ، وجوعه ، وعطشه ، فلا يقال : ما حالى؟ أى : أنا قائم ، أو قاعد ، أو أنا جائع أو لا وأما إن كان من الأحوال المنفصلة ، أو ما فى حكمها فيجوز أن يستفهم الإنسان عنها ، كأن يقال : ما بالى أوذى دون سائر المسلمين ، أى : ما السبب الذى صار متعلقا بى وحالا من أحوالى فأوجب إذايتى ، اللهم إلا أن يقال : إن الحال المنفصلة ليست فى الحقيقة حال الإنسان ، ولما أمكن حمل السؤال فى الآية على الحال المنفصلة التى يمكن فيها الاستفهام ، أجريت على الاستفهام الحقيقى عند بعض الناس ، كالزمخشرى حيث قال : نظر سليمان ـ عليهالسلام ـ إلى مكان الهدهد ، فلم يبصره فقال مالى لا أراه على معنى أنه لا يراه لساتر تعلق به فمنعه من الرؤية مع وجوده أولا لساتر مع الحضور ، بل لغيبته يعنى فهو يسأل الحاضرين حقيقة عن السبب الذى تعلق به ، فأوجب منع الرؤية ، فصار كحال من أحواله من ساتر مع حضوره ، أو غيبته بلا إذن ، ويدل على أنه سأل حقيقة عما خفى عليه بناؤه ، هذا الكلام على التردد ، ثم لاح له أنه غائب ، يعنى لوحانا لا يوجب الجزم بالغيبة ، ولذلك قال : فأضرب عن ذلك السؤال الذى كان على وجه الاحتمال ، وتساوى الأمرين ، وأخذ يقول أهو غائب ، كأنه يسأل عن صحة ما لاح له ، فهذا الكلام من الزمخشرى يدل على أنه حمل الكلام على الاستفهام حقيقة بالوجه السابق ـ كما بينا ، ووجه التجوز بناء على أن الاستفهام
__________________
(١) البقرة : ٢١٤.
(٢) النمل : ٢٠.
![مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح [ ج ١ ] مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2113_mavaheb-alfatah-fi-sharh-talkhis-almeftah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
