الإخبار مجازا ، فإذا قيل افعل هذا كيف شئت فمعناه افعله على الحالة التى لو قيل كيف شئت أى : أى حال شئت لأجبت بها ، ومثلها أنى فى هذا القصد ، وقيل إنها شرطية ، فالمعنى إن شئتم فأتوا ، وحذف الجواب لدلالة فأتوا عليه ، فهو بمعنى كيف الشرطية ، واختلف هل الفعل بعدها فى موضع جزم أو لا ككيف إذ ليست جازمة. (وأخرى) أى : واستعمالها مرة أخرى أن تكون (بمعنى من أين) فتتضمن الظرفية ، والابتدائية ، وذلك (نحو) قوله تعالى ـ حكاية عن زكريا ـ (يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا)(١) أى من أين لك هذا الرزق الآتى كل يوم ، وكان يجد عندها فاكهة وقت فى غير أيامها ، وقد تكون بمعنى أين فقط ، فتتضمن الظرفية دون الابتدائية كقوله :
من أين عشرون لنا من أنى (٢)
أى : من أين عشرون لنا؟ وهو تأكيد لما قبله ، فلم تتضمن معنى من للتصريح بها ، فتقرر بهذا أن أنى التى ليست بمعنى كيف تكون بمعنى من أين ، كما فى الآية ، وبمعنى أين فقط كما فى البيت ، ويحتمل أن تكون بمعنى أين فقط دائما ، إلا أنها تارة يصرح بمن معها كما فى البيت ، وتارة تقدر كما فى الآية على ما ذكره بعض النحاة. (ثم إن هذه الكلمات) الاستفهامية (كثيرا ما تستعمل) أى : تستعمل كثيرا (فى) مواضع أخرى (غير الاستفهام) الذى هو أصلها ، فتكون فى ذلك الغير مجازا لمناسبة بمعونة قرينة دالة فى المقام ، وذلك (كالاستبطاء نحو) قولك المخاطب دعوته ، فأبطأ فى الجواب : (كم دعوتك) فليس المراد استفهامه عن عدد الدعوة لجهله بها ، ولا يتعلق بها غرض فقرينة الإبطاء واستثقاله مع عدم تعلق الغرض بالاستفهام ومع جهل المخاطب بالعدد دالة على قصد الاستبطاء ، والعلاقة أن السؤال عن عدد الدعوة الذى هو مدلول اللفظ يستلزم الجهل بذلك العدد ، والجهل يستلزم كثرته عادة ، أو ادعاء ، وأنه لا يحصره الإدراك من أول وهلة ، وكثرته تستلزم بعد زمن الإجابة عن زمن السؤال ، والبعد يستلزم الاستبطاء ، فهو كالمجاز المرسل لعلاقة اللزوم من استعمال الدال على الملزوم فى اللازم ،
__________________
(١) آل عمران : ٣٧.
(٢) الرجز لمدرك بن حصين في خزانة الأدب ٧ / ٨٣ ، وبلا نسبة في نوادر أبي زيد ص ٥٠.
![مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح [ ج ١ ] مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2113_mavaheb-alfatah-fi-sharh-talkhis-almeftah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
