بناء على أن التقديم يفيد التخصيص أن القرآن يختص بعدم الريب ، وتحقق اختصاص الشيء بوصف إنما يعتبر بالنسبة إلى ما تتوهم مشاركته فيه ، والكتب السماوية هى التى تتوهم فيها مشاركة القرآن فى أوصافه ، فإذا خص القرآن بوصف وهو ـ هنا على هذا التقدير ـ عدم الريب ؛ لزم ثبوت ضد هذا العدم وهو الريب فى سائر الكتب السماوية ، وهو باطل ؛ ولذلك لم يقدم الظرف ؛ لئلا يقتضى بناء على الغالب ذلك ، ولأجل ما قلناه : من أن التخصيص إنما هو باعتبار النظير الذى تتوهم فيه المشاركة ، قلنا فى مفاد لا فيها غول : إن عدم الغول مخصوص بخمور الجنة دون خمور الدنيا ، فإنه فيها ، ولم نقل دون سائر المشروبات وغيرها من المطعومات. (أو التنبيه) هو معطوف على تخصيصه أى : تقديم المسند يكون للتخصيص وللتنبيه (من أول الأمر) أى : أول زمان إيراد الكلام (على أنه) أى : المسند (خبر لا نعت) وإنما وقع التفريق بين الخبر والنعت بالتقديم ، لما علم من أن النعت لا يتقدم على المنعوت بخلاف الخبر مع المبتدأ. وإنما قال : من أول الأمر ؛ لأنه قد يعلم أنه خبر ولو مع التأخر بعد التأمل والنظر إلى أنه لم يرد خبر بعده فيفهم أن غرض المتكلم به الإخبار لا النعت ، فالنكتة فى التقديم إفهام الخبرية أولا ، وذلك عند اقتضاء المقام تعجيل المراد من الكلام لأجل خوف فوات الفرصة ـ مثلا ، أو لطلب تحققه ؛ فرارا من الذهول للاعتناء بالمدح والتعظيم. (كقوله) أى : قول مولانا حسان ـ رضى الله تعالى عنه ـ فى مدح نبينا ومولانا محمد ـ صلىاللهعليهوسلم :
|
له همم لا منتهى لكبارها |
وهمته الصغرى أجل من الدهر (١). |
الهمة هى : الإرادة المتعلقة على وجه العزم بمراد ما ، ويمدح بتلك الإرادة إن تعلقت بمعالى الأمور ، فالمادح يقول : إن الكبار من هممه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ تتعلق بمعال لا يحاط بها تصورا ولا إدراكا ، والصغرى منها أجل باعتبار متعلقها من الدهر الذى كانت العرب تضرب بهممه المثل ؛ لأنه لوقوع العظائم فيه كأن له همما تتعلق بتلك العظائم ، فالصغرى أجل من الدهر نفسه فضلا عن هممه ، فلم يقل همم له لئلا
__________________
(١) البيت في الإيضاح ص ١٠٧ تحقيق د / عبد الحميد هنداوي ، وأورده محمد بن على الجرجاني في الإشارات ص ٧٨ وقيل إنه لحسان بن ثابت ، والصحيح أنه لبكر بن النطاح في مدح أبى دلف.
![مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح [ ج ١ ] مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2113_mavaheb-alfatah-fi-sharh-talkhis-almeftah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
