كانت فصيحة هجنها ، وأذهب طلاوتها ، كيف وهي على ما تراه؟ فأما قول أبي الطيب المتنبي :
|
إنّي على شغفي بما في خمرها |
|
لأعفّ عمّا في سراويلاتها (١) |
فلا شيء أقبح من ذكر السراويلات ، وما أعرف كناية ـ أشهد الله ـ أن التصريح أجمل منها ، ووصف عفّة سلوك الرّيب والتهم أحسن من التلفظ بها ، إلا كناية أبي الطيب هذه ، ونعته عفافه هذا النعت.
ومن الألفاظ العامية أيضا قوله :
|
خلوقية في خلوقيها |
|
سويداء من عنب الثعلب (٢) |
فإن عنب الثعلب مما أقول : إن العامية لو نظمت شعرا لترفعت عن ذكره.
وليس إيرادي هذه الأمثلة على جهة الطعن على هؤلاء الشعراء الفضلاء والغض منهم ، وكيف يكون ذلك وسأورد من غرائبهم وبدائع كلامهم ما يعلم معه أننا تحت تقصير عن شأوهم ، ويقع العجز عن إدراك القريب من غاياتهم ، لكني إذا احتجت الى إيراد الأمثلة في المختار والمنبوذ ، والمحمود والمذموم ، فلا معدل لي عن أشعارهم وتصفح نظمهم ، وأخذ ما أريده منها وإيراده عنها الصنفين معا.
ومن الألفاظ العامية أيضا قول أبي تمام في رواية أبي القاسم :
|
لو كان كلّفها عبيد حاجة |
|
يوما لزنّى شدقما وجديلا (٣) |
فزنّى في القبح يوفي على كل قبيح.
__________________
(١) «ديوان المتنبي» ١ / ٢٣٠. الشغف : بلوغ الحب شغاف القلب وهو غطاؤه. الخمر : ما تغطي به المرأة رأسها ، والسرابيلات : القمصان وفي «ديوانه» السرابيلات بدل : السراويلات.
(٢) هو من قطعة له في وصف عين باز ، يقول : إن مقلته صفراء مثل لون الخلوق وهو ضرب من الطيب أصفر اللون ، وإنسان عينه كأنه الحبة الصغيرة من عنب الثعلب. «ديوان المتنبي» (١ / ٢٦٥).
(٣) الضمير في ـ كلفها ـ للناقة ، وعبيد : اسم الراعي الشاعر ، وشد قم وجديل فحلان كانا للنعمان بن المنذر.
«ديوان أبي تمام» ٣ / ٦٩ وفيه : لأنسي شدقما وجديلا.
