التأويل أن يكون معناه كان هؤلاء القوم كالغيث إلا أنه غيث يكف كل ساعة ، وإن لم يدل لفظه على هذا المعنى دلالة واضحة.
ومن هذا الفن قول أيمن : (١)
|
فإنا قد وجدنا أمّ بشر |
|
كأمّ الأسد مذكارا ولودا |
لأن أم الأسد ليست كذلك.
وأما ردىء التشبيه فكقول المرّار :
|
وخال على خدّيك يبدو كأنه |
|
سنا البدر في دعجاء باد دجونها (٢) |
لأن الخدود بيض والمتعارف أن يكون الخال أسود ، فتشبيه الخدود بالليل والخال بضوء البدر تشبيه ناقض للعادة.
فإن قيل : قد مضى في كلامكم أن المشبه به يجب أن يكون معروفا واضحا أبين من الشيء الذي يشبه ، فما تقولون في قوله تعالى في شجرة الزقوم : (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) [الصافات : ٦٤ ـ ٦٥] ورؤوس الشياطين غير مشاهدة؟ قيل : إن الزقوم غير مشاهد ورؤوس الشياطين غير مشاهدة ، إلا أنه قد استقر في نفوس الناس من قبح الشياطين ما صار بمنزلة المشاهد ، كما استقر في نفوسهم من حسن الحور العين ما صار بمنزلة المشاهد ، حتى إنهم إذا شبهوا وجها بوجه الحور كان تشبيها صحيحا ، وإن كانت الحور لم تشاهد ، ولم يستقر في نفوسهم قبح طلع الزقوم كما استقر في نفوسهم قبح رؤوس الشياطين ، فكأن المشبه به أوضح ، وفي رؤوس الشياطين أيضا من المبالغة في القبح ما ليس في طلع الزقوم ، وقد قيل في بعض التفاسير : إن الشياطين هنا الحيات ، وعلى هذا القول يسقط السؤال ، لأن الحيات مشاهدة.
__________________
(١) هو أيمن بن خريم في مدح بشر بن مروان.
(٢) دعجاء : سوداء ، ودجونها : سوادها.
