ولو كان الكلام طويلا لجاز أن يقع لهم الفهم ، فليس هذا عندنا بموجب أن يكون الإسهاب في موضع من المواضع أفضل من الإيجاز ، كما أن النقوش الغليظة في كثير من الصناعات لا تكون أحسن من النقوش الدقيقة ، لأن تلك يدركها الضعيف البصر ويتعذر عليه إدراك هذه ، ولو اعتبرنا هذا في الكلام وفهم البليد له لاعتبرنا ذلك في النقوش وإدراك الضعيف البصر لها ، وهذا فاسد.
ويلزم من ذهب إلى اختيار العبارة عن المعنى بالألفاظ الكثيرة من حيث كان ذلك سببا لفهم عوام الناس ومن لا يسبق ذهنه إلى تصوّر المعنى أن يختار الألفاظ العامية المبتذلة على الألفاظ الفصيحة التي لم تكثر استعمالها العامة ولا ابتذلوها ، لأن علته في اختيار الطويل لأجل فهمهم له قائمة في الألفاظ المبتذلة ، ولا خلاف أنهم إلى فهمها أقرب من فهم ما يقلّ ابتذالهم له ، وهذا مما لا يذهب إليه أحد ، ولا التزمه ملتزم.
وقد قسموا دلالة الألفاظ على المعاني ثلاثة أقسام : أحدها : المساواة ؛ وهو أن يكون المعنى مساويا للفظ ، والثاني : التذييل ؛ وهو أن يكون اللفظ زائدا على المعنى وفاضلا عنه ، والثالث : الإشارة ؛ وهو أن يكون المعنى زائدا على اللفظ ، أي : إنه لفظ موجز يدل على معنى طويل على وجه الإشارة واللمحة.
وقالوا : إن التذييل يصلح للمواقف الجامعة ، وبحيث يكون الكلام مخاطبا به عامة الناس ومن لا يسبق ذهنه إلى تصور المعاني ، والإشارة تصلح لمخاطبة الخلفاء والملوك ومن يقتضي حسن الأدب عنده التخفيف في خطابه وتجنب الإطالة فيما يتكلف سماعه ، والمساواة التي هي الوسط بين هذين الطرفين ـ من الإشارة والتذييل ـ تصلح للوسط بين الطرفين اللذين هما الملوك وعوام الناس ، والذي عندي في هذا ما ذكرته ، وهو أن المختار في الفصاحة والدالّ على البلاغة هو أن يكون المعنى مساويا للفظ أو زائدا عليه ، وأعني بقولي : زائدا عليه ، أن يكون اللفظ القليل يدل على المعنى الكثير دلالة واضحة ظاهرة ، لا أن تكون الألفاظ لفرط إيجازها قد ألبست المعنى وأغمضته ، حتى يحتاج في استنباطه إلى طرف من التأمل ودقيق الفكر ، فإن هذا عندي عيب في الكلام ونقص على ما أبينه فيما بعد ، وقد دللت على اختيار الإيجاز والإختصار بما تقدم ، ويدل عليه أيضا أن من اختار
