الإيجاز :
ومن شروط الفصاحة والبلاغة الإيجاز والاختصار وحذف فضول الكلام ، حتى يعبّر عن المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة ، وهذا الباب من أشهر دلائل الفصاحة وبلاغة الكلام عند أكثر الناس ، حتى إنهم إنما يستحسنون من كتاب الله تعالى ما كان بهذه الصفة ، ومن الناس من يقول : إن من الكلام ما يحسن فيه الاختصار والإيجاز ، كأكثر المكاتبات والمخاطبات والأشعار ، ومنه ما يحسن فيه الإسهاب والإطالة ، كالخطب والكتب التي يحتاج أن يفهمها عوام الناس وأصحاب الأذهان البعيدة ، فإن الألفاظ إذا طالت فيها وترددت في إيضاح المعنى أثر ذلك عندهم فيه ، ولو اقتصر بهم على وحي الألفاظ وموجز الكلام لم يقع لأكثرهم ، حتى يقال في ذكر السيف : الحسام القاطع ، الجراز الباتر. وفي وصف الشجاع : البطل الفاتك ، النجد الباسل ، وما يجري هذا المجرى ، قالوا : وربما كان ذلك الكتاب بالفتح أو الخطبة تقرأ في موقف حافل يكثر فيه لغط الناس وصخبهم ، فيحتاج إلى تكرار الألفاظ ليكون ما يفوت سماعه قد استدرك بما هو في معناه.
والذي عندي في هذا الباب أنهم إن كانوا يريدون بالإطالة تكرر المعاني والألفاظ الدالة عليها وخروجها في معاريض مختلفة ووجوه متباينة ـ وإن كان الغرض في الأصل واحدا ـ فليس هذا مما نحن بسبيله ، لأنه بمنزلة إعادة كلام واحد مرارا عدة ، فإن تلك الإعادة لا تؤثر فيه حسنا ولا قبحا. وإن كانوا يريدون أن المعنى الذي يمكن أن يعبر عنه بألفاظ يسيرة موجزة قد يحسن أن يعبر عنه بألفاظ طويلة ، ليكون ذلك داعيا إلى فهم العاميّ والبليد له ، وتكون الإطالة في هذا الموضع خاصة أصح وأحمد ، كما أن الوحي والإشارة في موضعهما أوفق وأحسن ، فإنّا لا نسلّم ذلك ، لأنا نذهب إلى أن المحمود من الكلام ما دل لفظه على معناه دلالة ظاهرة ولم يكن خافيا مستغلقا ، كالمعاني التي وردت في شعر أبي الطيب ، وسنذكر ذلك مستوفىّ مستقصى فيما يأتي من هذا الكتاب.
فإن كان الكلام الموجز لا يدل على معناه دلالة ظاهرة فهو عندنا قبيح مذموم ، لا من حيث كان مختصرا ، بل من حيث كان المعنى فيه خافيا. وإن كان يدل على معناه دلالة ظاهرة إلا أنها تخفى على البليد والبعيد الذهن ومن لا يسبق خاطره إلى تصوّر المعنى ،
