أي : حالا بعد حال ، ولم يرد تساويهما في نفس المعنى ، وإنما أراد تساويهما في المرور عليكم والتغيير لكم ، فإذا كان هذا حقيقة الطباق ـ وهو مقابلة الشيء بمثله الذي هو على قدره ـ سموا المتضادّين إذا تقابلا متطابقين.
وهذا الباب يجري مجرى المجانس ، ولا يستحسن منه إلا ما قلّ ووقع غير مقصود ولا متكلّف ، فأما إذا كان معنيا الكلمتين غير متناسبين لا على التقارب ولا على التضاد فإن ذلك يقبح ، ومنه ما أنكره نصيب على الكميت في قوله :
|
أم هل ظعائن بالعلياء رافعة |
|
وإن تكامل فيها الدّلّ والشنب (١) |
فإنه قال له : أين الدل من الشنب؟ إنما يكون الدل مع الغنج ونحوه والشنب مع اللعس أو ما جرى مجراه من أوصاف الثغر والفم ، فكان الدل والشنب في قول الكميت عيبا ، لأنهما لفظتان لا يتناسبان بتقارب معنييهما ولا بتضادهما.
ومما يستحسن من المطابق قول أبي عبادة البحتري :
|
فأراك جهل الشوق بين معالم |
|
منها وجدّ الدمع بين ملاعب (٢) |
وهذه هي ديباجة أبي عبادة المعروفة ، وكلامه السهل الممتنع ، وشعره الخضل لكثرة مائه ، وقول أبي الطيب :
|
أزورهم وسواد الليل يشفع لي |
|
وأنثنى وبياض الصبح يغري بي (٣) |
فهذا البيت مع بعده من التكلف ، كل لفظة من ألفاظه مقابلة بلفظة هي لها من طريق المعنى بمنزلة الضد : فأزورهم وأنثنى ، وسواد وبياض والليل والصبح ، ويشفع ، ويغري ، ولي بي ، وأصحاب صناعة الشعر لا يجعلون الليل والصبح ضدين ، بل يجعلون ضد الليل النهار ، لأنهم يراعون في المضادة استعمال الألفاظ ، وأكثر ما يقال : الليل
__________________
(١) ديوان الكميت ١ / ٩٣ ، مجالس العلماء ١٨١ ، الخصائص ٣ / ٢٩٠ ، أمالي المرتضى ٢ / ٢٥٤.
(٢) «ديوان البحتري» ص (٢ / ٢٨٢).
(٣) «ديوان المتنبي» (٢ / ٢١٠).
