يكون الفصل الثاني أقصر من الأول ، والذوق يشهد بما قالوه ويقضي بصحته ، ولهذا السبب استقبحوا إطالة الفصول لئلا يؤتى بالجزء الأول طويلا فيحتاج إلى إطالة التالي له ليساويه أو يزيد عليه فيظهر في الكلام التكلّف ، ويقع ما لا حاجة للمعنى والغرض إليه.
الجناس :
ومن التناسب بين الألفاظ المجانس (١) وهو أن يكون بعض الألفاظ مشتقا من بعض إن كان معناهما واحدا أو بمنزلة المشتق إن كان معناهما مختلفا ، أو تتوافق صيغتا اللفظتين مع اختلاف المعنى ، وهذا إنما يحسن في بعض المواضع إذا كان قليلا غير متكلّف ولا مقصود في نفسه ، وقد استعمله العرب المتقدمون في أشعارهم ، ثم جاء المحدثون فلهج به منهم مسلم بن الوليد الأنصاري ، وأكثر منه ومن استعمال المطابق والمخالف وهذه الفنون المذكورة في صناعة الشعر ، حتى قيل عنه : إنه أول من أفسد الشعر ، وجاء أبو تمام حبيب بن أوس بعده فزاد على مسلم في استعماله والإكثار منه ، حتى وقع له الجيد والرديء الذي لا غاية وراءه في القبح ، فمما للعرب قول امرىء القيس :
|
لقد طمح الطّماح من بعد أرضه |
|
ليلبسني من دائه ما تلبّسا (٢) |
وقول القطامي :
|
كنيّة الحيّ من ذي القيظة احتملوا |
|
مستحقبين فؤادا ماله فاد (٣) |
وقول جرير بن عطية :
|
وما زال معقولا عقال عن الندى |
|
وما زال محبوسا عن الخير حابس (٤) |
__________________
(١) لعله ـ التجانس ـ كما سماه الرماني.
(٢) الطماح : رجل من بني أسد ، وهو الذي وشى به عند قيصر حتى غضب عليه وسمّه. شرح ديوان امرىء القيس ١١٦ ، البديع ٥٩ ، الصناعتين ٣٢٥ ، الكامل ٢ / ٧٤٠.
(٣) ديوانه ، الشعر والشعراء / ، الخصائص /.
(٤) عقال وحابس : من أجداد الفرزدق. وانظر «ديوان جرير» ص ٢٤٢ ، وفيه «عن المجد حابس» البديع ٥٦ ، الصناعتيت ٣٢٨ ، زهرة الآداب ٢ / ٣٦٩.
