وقال أبو إسحاق الصابيء في بعض كتبه : «وييسّر له الفتوح شرقا وغربا ويمكّنه من نواصي أعدائه سلما وحربا ، ويجعله في أحواله كلّها سعيدا محظوظا ، وبعين رعايته ملحوظا ، ولا يخليه من مزيد تتوافر مادّته إليه ، وإحسان لله يتظاهر لديه ، ويصل ما منحه بنظائر تتلوه وتتبعه ، وأمثال تقفوه وتشفعه».
ومن كتاب له آخر : «وصل كتاب مولانا الأمير الجليل عضد الدولة جوابا ، وفهمته وما اقترن به ثوابا ، وقبضته ووقع مني موقع الماء من ذي الغلة ، والشفاء من ذي العلة ، وأعظمت قدر ما اختصني به من عنايته ، وأبانه فيّ من رعايته ، وجعلت ذلك جنّة بيني وبين الزمان ، وأثرة لي على الأضراب والأقران ، وشكرت إنعامه مجتهدا محتفلا ، وادّرعته مفتخرا متجملا».
وهذا كله سجع يتبع المعاني غير متكلف ولا مستكره ، وأمثاله أكثر من أن تحصى.
وقد سمى قدامة بن جعفر ترك المناسبة في مقاطع الفصول ـ التجميع ـ ومثل ذلك يقول سعيد بن حميد في أول كتاب له : وصل كتابك فوصل به ما يستعبد الحرّ وإن كان قديم العبودية ، ويسترق الشكر وإن كان سالف فضلك لم يبق شيئا منه ، لأن المقطع على ـ العبودية ـ منافر للمقطع على ـ منه.
فهذا هو مثال ما تترك به المناسبة قد قدمناه ، ومثال الأسجاع التي تكون غير متكلفة قد ذكرناه ، فأما إذا تكلفت واعتمدت وكانت المعاني تابعة لها فليس ذلك بمرضي.
ومما يجب اعتماده في هذا ألّا تجعل الرسالة كلها مسجوعة على حرف واحد ، لأنّ ذلك يقع تعرضا للتكرار ، وميلا إلى التكلف ، وقد استعمل ذلك في الخطب وغيرها من المنثور ، وهو يقع في المكاتبات خاصة.
فأما القوافي في الشعر فإنها تجري مجرى السجع ، وإنّ المختار منها ما كان متمكنا يدل الكلام عليه ، وإذا أنشد صدر البيت عرفت قافيته ، كما قال ابن نباتة في وصف قصيدته :
|
خذها إذا انشدت للقوم من طرب |
|
صدورها علمت منها قوافيها (١) |
__________________
(١) «ديوان نصر بن نباتة» (١ / ٤٨١).
