بالوديعة ، وهو الأمين على ما يحوطه ويحفظه ، والوفي بما يحرسه ويلحظه ، وإنما نقلت من مغرس إلى معرّس (١) ومن وطن إلى سكن ، ومن مأوى برّ وانعطاف ، إلى مثوى كرامة وإلطاف».
فأجاب أبو تغلب عن هذا بكتاب من إنشاء أبي الفرج الببغاء ، قال في جوابه عن هذا الفصل : «ووصل أبو النجم بدر الحرمي بالأمانة العظيم قدرها ، والصفوة البينة نسبها وذكرها». فقال عوض الوديعة : الأمانة ؛ ليغاير بين اللفظين.
وكذلك سبق بعضهم إلى الكناية عن الهزيمة بالتحيز اتباعا لقول الله تعالى : (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ) [الأنفال : ١٦].
ثم صارت هذه العبارة للكتاب سنة ، وخبرني من أثق به عن رجل من أهل بغداد يصنع الغزل من الذهب ، قال : أحضرني الوزير أبو الحسن علي بن عبد العزيز المعروف بابن حاجب النعمان وزير القادر بالله ، وأخرج إلي علما عليه اسم المقتدر بالله ، قد بلي وخلق وبقي فيه الذهب ، فقال لي : كيف السبيل إلى أخذ ما على هذا من الذهب؟ فقلت : يحرق ، فصاح صيحة عظيمة ، وقال : ويلك ، ما هذا التهجم؟ أتحرق أعلام أمير المؤمنين؟ وأمر بإخراجي ، فدفعت وقد قاربت التلف من هيبته والخوف منه ، وتعقّبني أهل المجلس بالسؤال في بسط عذري بعدم الفهم لما أنكره عليّ ، فأمر بإعادتي إليه وقال : هيه مالذي تقول؟ فقلت : ما يرسمه سيّدنا الوزير ، فقال : قل : يستخلص ، فقلت : يستخلص ، فقال : خذه وانصرف ، فأخذت العلم ومضيت فأحرقته ، وأحضرت له ما خرج فيه من الذهب فأخذه.
ومن هذا الفن أيضا من حسن الكناية قول أبي الطيب :
|
تدّعي ما ادعيت من ألم الشو |
|
ق إليها والشوق حيث النحول (٢) |
__________________
(١) المعرس : المكان الذي يعرس فيه القوم أي : ينزلون من السفر للراحة ثم يسافرون من جديد.
(٢) في الديوان صدر البيت : تشتكي ما اشتكيت من ألم الشوق ، «ديوان المتنبي» (٢ / ١٨٨).
