وقال أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي : ليس قول أبي تمام : (لا تسقني ماء الملام) بعيب عندي ، لأنه لما أراد أن يقول : قد استعذبت ماء بكائي ، جعل للملام ماء ليقابل ماء بماء ، وإن لم يكن للملام ماء على الحقيقة ، فإن الله جل اسمه يقول : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشورى : ٤٠] ومعلوم أن الثانية ليست بسيئة وإنما هي جزاء على السيئة ، وكذلك : (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ) [هود : ٣٨] والفعل الثاني ليس بسخرية ، ومثل هذا في الشعر والكلام كثير ومستعمل ، فلما كان في مجرى العادة أن يقول القائل : أغلظت لفلان القول ، وجرّعته منه كأسا مرّة ، أو سقيته منه أمرّ من العلقم ، وكان الملام مما يستعمل فيه التجرع ، جعل له ماء على الاستعارة ، وهذا كثير موجود (١).
وهذا الذي قاله أبو القاسم عن المقابلة قد ذكرناه ، فلا وجه لإعادة الكلام عليه ، وأما اعتذاره بأن العادة جارية أن يقال : جرّعته من القول كأسا مرة ، فلما استعمل في الملام التجرّع على الاستعارة جعل له ماء على الاستعارة ؛ فلعمري إنّ هذا أقرب ما يعتذر به لأبي تمام في هذا البيت ، وأولى من جميع ما قد ذكر ، لما قدّمناه من فساد التعلق بذلك ، لكنّا قدّمنا أن الاستعارة إذا بنيت على استعارة بعدت ، وإن اعتبر فيها القرب ، فماء الملام ليس بقريب ، وإن لم يعتبر فيها لم ينحصر ، وبني على كل استعارة استعارة ، وأدى ذلك إلى الاستحالة والفساد على ما قدمناه.
وليس هذا البيت عندي بمحمود ، ولا من أقبح ما يكون في هذا الباب بعد قول أبي تمام :
|
لها بين أبواب الملوك مزامر |
|
من الذّكر لا تنفخ ولا هي تزهر (٢) |
وقوله :
|
إلى ملك في أيكة المجد لم يزل |
|
على كبد المعروف من نيله برد (٣) |
__________________
(١) «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري ١ / ٢٨٨ ـ ٢٧٨.
(٢) «ديوان أبي تمام» ٢ / ٢١٦ ، وجاء في عجز البيت : لم تنفخ ولا تتزمّر.
(٣) «ديوان أبي تمام» ٢ / ٨٧ ، والبيت المثبت في الديوان المطبوع على غير ما أثبته المؤلف فقد جاء على هذا الوجه :
